الياسمين الغافي في نغمته
بعد سنوات طويلة في نوبات العمل الليلية، أصيب بعادة صارت عيباً لي: أحب مراقبة الناس.
تقول إن هذا عيب سيئ؟ لكننا نحن عمال النظافة، يجلس كل واحد منّا وحيداً في رصيف مهجور، والممسحة رفيقة حديثي الوحيدة، فلماذا أراقب إن لم أراقب الناس؟ ومن كثرة المراقبة، لخّصت قاعدة: كل من يستقل القطار الأخير بعد الحادية عشرة والنصف ليلاً، يحمل حكاية. هاك طاهٍ خرج من المطبخ تغرق رائحة البصل الأخضر ملابسه، هاك موظف زادت ساعات عمله حتى صارت عيناه جامدة، وهاك أولئك الأولاد الحاملون حقائبهم الكبيرة على ظهورهم، يتضح منهم أنهم طلاب مغتربون — على وجوههم طبقة رمادية، كالصقيع المتراكم على زجاج النافذة.
على هذا الرصيف، هناك وجهان أعرفهما جيداً.
الأول هو جو العجوز. رجل أبيض ضخم الجسد، شعره أبيض أنقى من خرقتي نفسها، يحمل غيتاراً قديماً صقلته السنون حتى سقط دهانه من علبته. يأتي عادة في النصف ساعة الأخيرة قبل القطار الأخير، يجلس على المقعد الطويل ويعزف بهدوء، كأنه يخشى أن يزعج أحداً.
مرة، لم أتمالك نفسي وسألته: «يا جو، لعمن تُعزف هنا؟ لمن؟»
ابتسم وقال: «الركاب في القطار الأخير هم أتعب الناس في اليوم كله. أعزف من أجلهم.»
بهذه الجملة وحدها، حسبته من جلدي وجسمي.
قبل ثلاثة أسابيع، أمسك بي فجأة وبدأ يشيّ بيديه طويلاً. لغتي الأجنبية ركيكة، ويداه ثقيلة، فظللنا نخمّن من إشارته وتخميني — أراد أن يتعلم أغنية صينية. قال إن الرصيف شهد مؤخراً حضور وجوه آسيوية كثيرة، أولاد بيوتنا بعيدة في أقصى الأرض، وأراد أن يعزف لهم «لحن أحضروه من أوطانهم».
الأغاني التي أعرفها قليلة، والتي أستطيع غناءها كاملة أقل. وبعد تفكير طويل، همست له لحن «زهرة الياسمين».
كان يتعلمها بصعوبة بالغة. حلقه مثل مفصل باب صدئ، فكانت «يا زهرة ياسمين جميلة» تخرج من فمه كلها خارج السلّم الصوتي. وهو يعلم ذلك، فيحك رأسه بإحراج. قلت له: لا بأس، تدرّب في البيت. وتدرّب فعلاً. ومنذ ذلك اليوم، كنت أراه كل ليلة يجلس على المقعد، أصابعه تزحف على الأوتار، وشفتاه ترددان بصوت خفيض، كمن يحفظ درساً.
الوجه الثاني فتاة أسميها «الدب الصغير» — لأن دِبّاً كرتونياً مطبوعاً على ظهر معطفها الشتوي. فتاة طالبة مغتربة، تعمل في مطعم صيني، ومنذ شهر كامل تستقل القطار الأخير في كل مرة. يحمل جسدها دائماً رائحة بهارات الحلقة الساخنة، وما تجلس إلا قليلاً حتى يبدأ رأسها بالانحناء هنا وهناك، كعوامة على الماء، ثم تقفز فجأة عند اقتراب محطتها.
كلما رأيتها هكذا وجع قلبي. ابنة من هي؟ حتى ابتعدت عن أهلها هذا البعد كله.
لكن البلاء كان يوم الجمعة الماضي.
في تلك الليلة، كان الرصيف أفقر زواراً من المعتاد، والأضواء بياضاً يجلد العين. وصلت الدب الصغير أولاً، فانكمشت في طرف المقعد، وجفناها يتصارعان مع النوم. لم يمض وقت طويل حتى جاء جو حاملاً غيتاره، جلس كعادته، ونظر إليها نظرة كعادته.
تخيّل ماذا حدث — من هذه النظرة وحدها وقعت الكارثة.
استيقظت الفتاة في لمح البصر، وانحسرت إلى الطرف الآخر من المقعد، وأدت يدها إلى جيبها وأمسكت بشيء ما، وعيناها مثبتتان في جو بلا غمزة. نظر إليها جو مرة أخرى — وفهمت لاحقاً أنه كان يفكر: هذه الطفلة تعبانة جداً، هل أقدم لها لحن موسيقي؟ لكن في عين فتاة خائفة، كانت هذه مجرد غريب ضخم يراقبها في الظلام، تدريجياً، بوصة بعد بوصة.
الضوء أبيض أكثر من اللازم، والرصيف خاوٍ أكثر من اللازم، والليل أطول مما يجب. والخوف، هذا الشيء، يكبر هكذا تماماً.
كنت أسحب ممسحتي على الأرض، وقلبي يخفق قلقاً عاجزاً، ولا أعرف كلام أيّ من الطرفين لأخفف ما يجري.
صمدت الدب الصغير بضع دقائق، ثم نهضت فجأة، ومشت في خطوات قليلة إلى جو، وأخرجت ورقة دولار واحد وألقتها في علبة الغيتار. كنت على بعد نحو عشر خطوات، فرأيت شفتيها مقبوضتين بإحكام، وذقنها مرفوعاً، والمعنى واضح: خذ نقودك، ولا تتبعني.
تجمد جو مكانه.
نظر إلى الورقة في العلبة، ثم رفع عينيه إلى أكتاف الفتاة المتوترة. وفي تلك الثواني الثلاث، رأيت على وجهه استغراباً أولاً، ثم احمراراً خفيفاً في أذنيه، ثم شيئاً في عينيه ذاب وتلان، لانًّا كالزبدة الذائبة.
لقد فهم.
أومأ للفتاة، أومأة خفيفة واحدة، ثم خفض رأسه، وأراح أصابعه على الأوتار، وتوقف نصف إيقاع.
النغمتان الأوليان كانتا مرتجفتين، والثالثة أخطأت أيضاً. لكن مع تكرار الخطأ، نهض اللحن وانتصب — «يا زهرة ياسمين جميلة» — غير متمكن، متلعثم، متأخر نصف إيقاع، لكنه لا يمكن أن يكون غيره: إنها «زهرة الياسمين» بلا شك.
كانت الدب الصغير قد التفتت لتذهب، فثبتت قدماها في مكانهما.
أدارت رأسها ببطء، ووقفت هكذا تُصغي. هبّ الريح من فم النفق إلى الرصيف، وكانت زهرة الياسمين الغافية في نغمتها تتفتح على الرصيف الخالي، زهرة، ثم زهرة أخرى. رأيت كتفي الفتاة تنخفضان بوصة بعد بوصة، كثلج السقف وهو يذوب.
دخل القطار المحطة، واشتدت الريح. صعدت، فلم يكن في العربة أحد. وقبل أن تنغلق الأبواب، لمحتها من خلف الزجاج وهي تغطي وجهها بيديها، وكتفاها ترتجفان.
هذه المرة لم تكن رهبة. كان بكاءً مكتوماً منذ نصف عام تقريباً، بكاءً أذِن لنفسه أخيراً أن يبكي. أنا أفهم ذلك. يوم وصلت إلى هذه الأرض قبل ثلاثين عاماً، كنت بلا أهل ولا معرف، وبكيت في دورة مياه المطار حتى خدرت ساقاي.
ظل جو يعزف، حتى ابتلع القطار صوت الغيتار في نفق الظلام.
وفي هذا الجمعة، جاءت الدب الصغير مرة أخرى. هذه المرة لم تنكمش في طرف المقعد، بل جلست بجوار جو مباشرة، حاملة علبة صفيح من الشاي مطبوعاً عليها زهرة ياسمين خضراء. مدّتها إليه، وقالت: «شكراً» — كلمتان فقط، خفيضتين سريعتين.
أخذها جو بتوقير من يستلم كأس جائزة. وأشار إلى علبة الغيتار — اقتربت أنا أيضاً لنظر، فإذا بورقة الدولار تلك ملتصقة بوضعٍ منظم بمعدة لاصقة شفافة على الغطاء الداخلي.
تبسّم، وبحلقه الصدئة المفصلية قال الكلمات الصينية الوحيدة التي يملكها في حياته كلها:
«زهرة الياسمين.»
ضحكنا جميعاً. انظر، الطيبة هذا الشيء، أحياناً تأتي غافية النغم، وأحياناً متأخرة، وأحياناً تُحسب على الغلط عدوةً. لكن ما دامت تجرؤ على أن تنطق، فإنها تجد في النهاية اللحن الذي يعيدها إلى البيت.
ما زلت أعمل ليلاً، وما زلت أراقب الناس. ها أنذا، على الرصيف تتفتح زهور الياسمين من جديد — تتفتح في مكان يبعد آلاف الكيلومترات عن الصين، تتفتح لشخصين مشتاقين إلى الوطن، وتتفتح أيضاً لهذه العجوز التي تحب مراقبة الناس.
(مقتبس من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.)
مستوحى من قصة حقيقية