مَقعدٌ واحد
مقعد خشبي، بأربع قوائم، صار سطحُه الأوسط أبيضَ ممّا دُفِق عليه بالاستعمال. وضع أمام محل الأحذية ثلاثة عشر عامًا: في الأيام المشمسة يزيحه نصف قدم إلى الخارج، وفي الأيام الممطرة يزيحه نصف قدم إلى الداخل، ولا يتغيّر مكانه كثيرًا أبدًا.
لا يتذكّر آ شِنغ في أيّ سنة وُضع المقعد هناك. يتذكّر فقط أنه في السنة الثالثة لافتتاح المحل، جلست الجدّة تشِن، بائعة الخضار من الجوار، تستريح أمام بابه، على صناديق كرتونية مكدّسة. وفي اليوم التالي، أخرج مقعدَه المربّع القديم من بيته. وحين شقّ سطح المقعد ذات مرة، بدّله بنفسه بلوح جديد، وطرق المسامير فيه بإحكام. جلس عليه عجائزُ يشترون الخضار، وجلست السائقاتُ يكنّ المساحيق، وجلس الأطفالُ بانتظار ذويهم بعد المدرسة. يجلسون قليلًا، ثم يمضون، وهو لا يسأل أحدًا أبدًا.
كان ذلك الثامن والعشرين من أغسطس، وقت الظهيرة، حين يكون الشمس في أشدّها ظلمًا. كان منحنيًا يلمّع حذاءً جلديًّا، إذ لمح من طرف عينه امرأةً شيخوخة تحمل علبة طعام، تتهادى فوق حافة الرصيف المقابل.
لم يطبق فرصة للتفكير. انتزع المقعد من أمام المحل واندفع راكضًا، فهبط المقعدُ على الأرض قبل كل شيء، ثم أمسكت يداه ذراعَي العجوز.
«جلسي يا جدّتي.»
جلست العجوز. وكانت تحمل علبة الطعام في يدها معتدلةً تمامًا، فلم يسيل منها قطرة مرق واحدة.
المعلمة وِن عمرها ثمانية وسبعون، علّمت اللغة الصينية ستًّا وثلاثين سنة قبل أن تقاعد. تُقاس أيامُها بالخطوات، خطوةً خطوة: من البيت إلى المستشفى ألف وتسعمئة خطوة، ومن المستشفى إلى البيت ألف وتسعمئة خطوة، ذهابًا وإيابًا مرتين في اليوم، وقد حسبت أنه نحو عشرة آلاف خطوة. ابنها آ جَه مضطجِع على فراشه منذ سنة ألفين وثلاثة عشر؛ استأجرت ممرضة تعينها ساعات قليلة، لكنّ طعام ابنها تُصرّ هي على إيصاله بنفسها. والمرق في علبة الطعام يصل وهو في أوجبه دفئًا تمامًا.
تعاني من ارتفاع ضغط الدم، وفي ركبتها جرح قديم، ورداةُ قدميها لا تُنبَّأ بها؛ تشبه منزلَقدَمٍ على درجٍ فارغ. وفي نصف الثانية التي سبقت سقوطها، لم يكن في قلبها إلا كلمة واحدة: لِيَسِلِ المرق.
لكنها لم تسقط. مقعدٌ سبقها إلى الأرض، ويدان أمسكتها بثبات. جلست، وأدركت أنفاسها، ثم رفعت رأسها نحو هذا الشابّ الذي ملأت يداها دهانَ الحذاء، فتذكّرت فجأة عبارةً قالتها مرةً بعد مرة: بِرِّ والديك، وبِرِّ آباءَ غيرك.
فإذا بالكلمات التي في الكتب المدرسية، تنزل من تلقاء نفسها لتسير في الشوارع.
في عصر اليوم نفسه، نحو الرابعة، رآه آ شِنغ مجددًا. العلبة نفسها، والخطى أبطأ من قبل. وحين بلغت باب المحل، أخرجت العجوزُ من كيسها القماشي ظرفًا أحمر صغيرًا، ودسّته في يده من غير ردّ ولا نقاش.
«إنغسي» قالت، «لبشارة الطالع الحسن. مددتَ يدك إليّ، فيجب أن تصيبك حظوة.»
الظرف رقيق، فيه بضعة عملات معدنية. رفضه آ شِنغ ثلاث مرات، فلم يستطع. يد العجوز صغيرة، لكنها قوية.
«هذا قانون» قالت المعلمة وِن. «من أكرمني بالكلمة أكرمته بالظلّ. علّمتُ عمرًا، ولا يجوز أن أُفسد القانون.»
في تسع سنوات، استهلكت أحذيةً كثيرة. حين تنحرف كعبها تحمله إلى الإصلاح، فيعرفها صانعُ الأحذية ويرفض الأجرة. لكنها لا تحتمل أن تنفعه بلا مقابل، فتدفع الثمن كاملًا، وتزيد عملتين: «إزعاجُ الناس مرة، جميلٌ يُردّ؛ أمّا إجعاله عادةً، فدينٌ يُستقرّ.»
ذلك الظرف الأحمر، لم يرُح آ شِنغ إلى فتحه؛ وضعته تحت زجاج الطاولة.
في غرفة المستشفى، رأى آ جَه المقطع المرئي في هاتف الممرضة. الصورة مهتزة، والأشخاص صغار، فتأمّل طويلًا حتى عرف أنّ الظهرَ الحاملَ للعلبة هو ظهر أمه.
تجاوز الأربعين. وفي كل هذه السنوات من الرقاد، لم يرَ أمّه لأول مرة بعيون الآخرين إلا الآن: عجوزٌ نحيلة، تتهادى تحت الشمس، فيستقبلها مقعدٌ بثبات. وفجأة خطر له أنه طوال هذه السنوات وهو ممددٌ هنا، كان أيضًا من تحته مقعدٌ خفيّ، يل Mare عليه دائمًا.
قالت الممرضة: أمك امرأة عجيبة، المدينة كلها تساندها. فتح فمه، ثم لم ينطق. أما كلماته، فلا يفهمها إلا أمّه. وفي المساء حين جاءت، تدرّب على الجملة طوال العصر، ثم نطقها لها كلمةً كلمة:
«أمّاه. إنسانه طيّبه.»
ابتسمت المعلمة وِن، ورتّبت له طرف لحافه: «نعم. حتى المقعد، عارف يستقبل الناس.»
صوّر المقطع مارّ عابر، وانتشر في المدينة كلها خلال ثلاثة أيام. قال المصوّر لاحقًا إن يده كانت ترتجف حينها: «ذلك المقعد، جرى أسرع من الإنسان.»
جاء أهل الجمعية الخيرية إلى المستشفى، وسلّموا بطاقة وجبات، وقالوا إن الطلبات ستُسدَّد منها من الآن. واختار آ شِنغ وزوجته عكازًا خفيف الوزن قدر الإمكان وأرسلوه إلى الغرفة، فما استطاعت المعلمة وِن الاعتذار فأخذته. وبعد يومين، وقف عند باب الغرفة بضعة رجال في منتصف العمر، ودخلوا ساجدين تحيةً، كانوا تلاميذها المتخرجين قبل ثلاثين سنة وأكثر، قدّروها من المقطع المرئي.
«أستاذة وِن، هل تعرفينني؟»
«أعرف» فكّرت قليلًا. «كتبتَ زمان موضوع “حُلمي”، وكتبتَ أنك تريد فتح دكانة صغيرة.»
ضحك كل من في الغرفة. وكانت أشعة الشمس خارج النافذة جميلة. وعلى رأس سرير الابن باقةُ زهور جديدة، بلا توقيع.
وجاء أيضًا شبان لا يعرفهم إلى محل الأحذية، وضعوا صندوقًا من مياه الشرب ومضوا، قائلين إنهم يشكرون صاحب المحل باسم أهل بلدتهم. خرّج وراءهم آ شِنغ، فكانوا قد جاوزوا نهاية الشارع.
صار أيلول، وما زال المقعد أمام محل الأحذية في مكانه القديم. وقد أُضيف إلى حافّته خدشٌ جديد، اصطدم به يوم اندفاعه، وما زال آ شِنغ لم يطُله بالدهان.
ثم ظهر بعد حين مقعد بلاستيكي أمام محل الحلويات المقابل، وأمام مشرب الأعشاب المجاور كرسيّان من الخيزران. ما من أحد اتفاق مع أحد، لكن الشارع أنبت من تلقاء نفسه أماكنَ كثيرة يجلس إليها الناس.
ما زال العجائز يجلسون بعد شراء الخضار، وما زالت السائقة تجلس بعد الكنس. وتمرّ المعلمة وِن فتجلس أيضًا، تستريح قليلًا، تلوّح لآ شِنغ بجملتين، ثم تمضي إلى المستشفى. وسُئلت ذات يوم: ألا تتعبين؟ فقالت: «المشي عشرة آلاف خطوة، واجبُ الأمّ؛ وحُسنُ الناس إليّ، جميلٌ يُردّ. الواجب يُحفظ، والجميل يُقابل.» وفي مرة، أحضرت كيسًا صغيرًا من قشور اليوسفي مجفّفة في بيتها، وقالت إنها تُنقع في الماء للكحّة. أخذها آ شِنغ، ثم التفت، ودفع الظرف الأحمر تحت زجاج الطاولة دفعةً أعمق إلى الداخل.
ما زال هو المقعد نفسه: في المشمس يُزاح نصف قدم إلى الخارج، وفي الماطر نصف قدم إلى الداخل، ولا يبتعد مكانه كثيرًا أبدًا. غير أن المارّة اليوم يعرفون جميعًا:
هذا المقعد، يجوز الجلوس عليه.
هذه القصة مقتبسة من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية