اصمد
الأستاذ هي فان:
مررت اليوم بعد الظهر بمتجر السوبر ماركت الصغير عند بوابة الحي، وحين فتحتُ باب الثلاجة اندفعت البرودة إلى وجهي. صفّ من قوارير الكولا الكبيرة يقف في الداخل، مغطّى بقطرات الماء. وقفتُ أمام الثلاجة نصف دقيقة، وسألتني البائعة الصغيرة عمّا أريد شراءه، فقلت: لا شيء، أتفرج فقط.
ترى، مرت كل هذه الأيام على الحادثة، وما زلتُ هكذا.
بعض الكلمات لم يتسنَّ لي قولها في حينه — كتبتها بسرعة على الشاشة فغابت في القاع. أردت الآن أن أكتبها ببطء بالقلم، لأُخرجها طافية إلى السطح. هذه الرسالة على الأرجح لن تصل إليك؛ ليس لديّ عنوانك، والمنصة لا تكشف للزبون رقم هاتف عامل التوصيل. لكن لا بأس، اقرأها أولًا، وما بعاد القراءة على مسؤوليتي.
لنتحدث أولًا عن ذلك اليوم.
الثامن من سبتمبر، يوم الثلاثاء. أتذكره بهذا الوضوح لأنني قضبتُه في اجتماع طوال النهار، وتركتُ وجبة الغداء على طرف الطاولة حتى بردت ولم أمسّها. عدتُ إلى البيت بعد الرابعة عصرًا، وجلستُ على الأريكة فلم أعد أستطيع النهوض. يدي ترتجف، عرق بارد يتصبّبني، والعالم أمامي يسودّ على مضض. عرفتُ أنها هبوط سكر في الدم، علّتي القديمة. بحثتُ في البيت كلّه فلم أجد سوى نصف علبة بسكويت صودا رطب.
طلبتُ الطعام وأنا منبطح على الأريكة، وأصابعي ليّنة. اخترتُ محلّ الأرز الرخيص (المي فن) في الطابق الأسفل، وأضفتُ معه قارورة كولا. وكتبتُ في الملاحظات: أصابني هبوط سكر، أرجو التوصيل بأولوية، وأنا مستعد لأن أضيف خمسة يوانات.
ما إن انتهيتُ حتى ندمت. خمسة يوانات، ماذا ستفعل من أولوية؟ شعرتُ بالشفقة على نفسي، وشعرتُ في الآن ذاته أنني مضحكة.
وجاء ردّك في الحال —
«سأوصله إليك فور خروجه من المطبخ، اصمد!»
اصمد. حدّقتُ في هذه الكلمة قليلًا. كأن إنسانًا يغرق فباغته أحدهم فرفعه من تحت الماء.
بعد دقيقة أرسلتَ رسالة أخرى:
«هبوط سكر وأنت تطلب طعامًا حارًّا؟»
نظرتُ إلى أرز المي فن الحارّ الذي طلبتُه فانفجرتُ ضاحكة. لا عجب؛ فشهيتي كلها مكتوبة في الطلب: حار، بارد، نكهات ثقيلة. أعواد اللازانيا الفلفلية في الفجر، وعاء الهوغو الحار في جوف الليل، وفنجان قهوة سوداء مرة تجعل الجبين يعبس في النهار للتعويض. لا بد أنك أدركت: هذا الشخص ليس جائعًا للطعام، بل عاجز عن الاحتمال.
وحين رنّ جرس الباب، كان أسرع من أي مرة قبلها.
تدلّلتُ على الحائط وارتميتُ نحو الباب. كنتَ واقفًا عند العتبة، خوذتك لم تُخلَع، وفي يدك، إلى جانب وجبة المي فن، قارورة كولا زائدة. قارورة كبيرة، وقطرات الماء تنزلق على جسمها حتى بللت البلاط أمام بابي.
قلتَ: «كولا هذه المحل سيئة الطعم، مركّزة أكثر من اللازم. ذهبتُ إلى المحل المجاور وأبدلتها بقارورة كبيرة، اشرب هذه.»
مجرد خطوة في الطريق. فكّرتُ في هذه الكلمة طويلًا بعد ذلك. فالمحلّان يفصل بينهما شارع قديم كامل، باتجاه واحد، لا يدخله دراجة كهربائية أصلًا. لا وجود لشيء اسمه «في الطريق» — لقد ركضتَ إليه.
أخذتُها من يدك. باردة. تصعّد البرودة من راحة كفّي إلى أعلى. لا أدري لماذا سقطت دموعي دفعة واحدة. ربما لأنني كنت جائعًا للغاية، وربما لأن مريض هبوط السكر ميّال إلى البكاء أصلًا، وربما لأنني — في ذلك العصر — كنتُ بحاجة ماسّة إلى أن يقول لي أحدٌ: «اصمد».
لم تكن تتوقع هذا المشهد بوضوح؛ وقفتَ عند الباب محتارًا لا تدري بأيديك، وصوتك يخرج من الخوذة مكتومًا:
«لا تبكي لا تبكي، ما دام في الدنيا إخاء وودّ فلن يعوز أحد شيئًا.»
يا لها من عبارة مضحكة، ويا لها من عبارة طيبة. كشعار على سبورة مدرسة ابتدائية، ينطق بها على محمل الجدّ عامل توصيل تتصبّب جبينه العرق. بكيتُ وأضحك في آن، وكدت أُسقط قارورة الكولا.
قلتَ «سلامةً وعافية» واستديرتَ نازلًا، تخطو خطوة في محل خطوتين. لعلّ طلبك التالي كان يلحّ عليك في تلك اللحظة.
في تلك الليلة أنهيتُ المي فن حتى آخر ملعقة، وشربتُ المرق كله. وشربتُ نصف الكولا، وتركّت النصف الآخر لفطور صباح الغد. هبوط السكر يلاحقني منذ خمس سنوات، ولوالمرّة الأولى شعرتُ أنه ما دامت في يدي قارورة كولا باردة، فلن تكون الأيام صعبة إلى هذا الحد.
في خانة الإكرامية كان مكتوبًا خمسة يوانات. حدّقتُ فيها طويلًا ثم غيّرتها إلى عشرين. ليس شعورًا بالخجل من قِلّتها، بل لأنني تأملت: عشرون يوانًا، قيمة عناء ذهابك لشراء الكولا من بعيد، زائد ثمن كلمة «اصمد». وأكثر من ذلك، فأنا على يقين أنك لن تقبل.
وبعد أن أتممتُ الدفع نظرتُ إلى اسمك بنظر جدّية. هي فان. لفظتُه مرتين فانفجرتُ ضاحكًا. «هي فان»: علبة طعام ساخنة. كتبتُ في مربع المحادثة: «اسمك يشبهك؛ كله دفء الحياة والحركة». ثم فكّرتُ ومحوتُه. قولها وجهًا لوجه يبدو مُماحكة، وكتابتها تبدو مُتهوّرة أكثر من اللازم.
فأكتبها هنا إذن: أستاذ هي فان، اسمك يليق بما تفعله؛ كلاهما يتصاعد منه البخار الحارّ.
هذه الرسالة لن تصل إليك، فحللتُ الأمر بطريقة أخرى.
في الأسبوع الماضي كانت تمطر أيضًا، فرأيتُ تحت مظلّة المتجر شابًّا يتصبّب خوذته الماء، قرفصاءً ينهش خبزًا باردًا. دخلتُ فاشتريتُ له علبة طعام ساخنة، وناولته إياها قائلًا: كلها وهي ساخنة. اندهاشه طال، ثم قال «شكرًا» بصوت مبحوح.
وحين غادرتُ ترديدتُ في داخلي: هي فان، علبة طعام. أرأيت؟ لقد أوصلتُك إلى غيرك.
قلتَ إنه ما دام في الدنيا إخاء وودّ فلن يعوز أحد شيئًا. كنتُ أظن هذا الكلام فارغًا، والآن صدّقتُه. الإحسان هذا، تبيّن لي، إنه أيضًا عامل توصيل: لا يأتي بيدين فارغتين، ولا يتوقف طويلًا. يقيم اليوم عندّي استراحة، يشرب نصف قارورة كولا، ثم ينطلق غدًا إلى مكان آخر.
وهنا أكتب آخر الرسالة. عدتُ إلى محل المي فن مرتين بعد ذلك، وقلتُ لصاحبه: كولا عندكم سيئة الطعم حقًا، لكن المي فن ممتاز فعلًا. ضحك صاحبه ولم يفهم.
أتمنى لك طلبات كثيرة، وطريقًا سالكًا، ولا تنسَ الماء أثناء التوصيل، ولا تقلّدني في تأجيل الأكل حتى يفوت الأوان.
إحدى زبائنك القدامى (تلك التي استلمت الكولا وهي تبكي)
(هذا النص مقتبس من حادثة حقيقية، وجميع الشخصيات أسماء مستعارة.)
مستوحى من قصة حقيقية