Heartstories
رجوع
|
أربعة أمتار ونصف تحت الماء

أربعة أمتار ونصف تحت الماء

قصير 2026-09-12 · 4 دقيقة قراءة

في العام الذي بلغ فيه تشين آن العاشرة من عمره، غرق مرة واحدة في نهر ليو جيانغ.

في ذلك اليوم كان يلتقط الحلزون في المياه الضحلة، انزلقت قدمه، فجرته التيار الغافل مسافة أمتار قليلة. حين ظهر رأسه من جديد، كان قد ابتلع الماء حتى عجز عن الصراخ. لم تنتظر أمه حتى تخلع حذاءها قبل أن تنقض إلى الماء، وأمسكت به بيده واحدة عند عمق صدرها. أمه لم تكن تجيد السباحة، لكنها حملته وهي تزحف نحو الشاطئ، ابتلع الاثنان نصفي بطن منهما ماءً، ثم جلسا على الحصى البيض يضحكان طويلاً.

في تلك الإجازة الصيفية، سجّلته أمه في دروس السباحة. قالت له: أمك تستطيع أن تنتشلك مرة واحدة، لكنها لا تستطيع أن تنتشلك طوال العمر.

العاشر من مايو عام ألفين وستة وعشرين، نيجير، ضواحر نيامي.

في الصباح، أجرى تشين آن مكالمة فيديو مع أمه في ليو تشو. على الشاشة، سألته أمه كعادتها أولًا إن كان يحمل أدويته، ثم سألته عمّا يأكل في المقصف. أجابها أن كل شيء بخير، ثم قال: ماما، عيد أم سعيد. ضحكت أمه: ما أحفظك للمناسبات! هل تناولت الغداء؟

ظهرًا، كانوا عائدين من جولة طبية في قرية مجاورة، فمروا ببُرك قرب مقر إقامتهم. رياح مايو حارّة، قادمة من جهة الصحراء الكبرى. كان البركة ماءً جمعه موسم الجفاف، تبدو من بعيد صغيرة، لكن من قريب تبيّن أن التيار حفر في وسطها حفرة عميقة، تبلغ أربعة أمتار ونصفًا.

وقبل أن يستقر الجزء الخلفي من السيارة تمامًا، رأى تشين آن حلقة الأطفال عنقودين حول البركة.

لم تستطع فاطِمي أن تحدد متى حدث ذلك بالضبط. كان أخوها موسى يفتش عن السمك في المكان الضحل، إذ انهارت تحت قدميه حافة التراب، وكما لو أن شيئًا ما سحبها من تحته. على سطح الماء، رفع أخوها يديه لطختين، ثم اختفى.

تجمّع الأطفال حولها، شكلوا نصف دائرة، ولم يجرؤ أحد منهم على النزول إلى الماء، فعمق هذه البركة يعرفه أهل القرية كلّه. صرخت فاطِمي باسم أخيها بكل ما أوتيت من قوة، لكن الصوت الذي خرج لم يكن صوتها. قالت لاحقًا إنها رأت لأول مرة في حياتها عشرات العيون تتسع دفعة واحدة إلى ذلك الحد، بلا رمشة، كلها مصابة على المسطح المائي نفسه.

ظهرت على سطح الماء سلسلة من الفقاعات. واحدة، ثم أخرى.

ثم لا شيء.

سلّم تشين آن ساعته وهاتفه معًا لزميله شياو وي، ثم قفز من السيارة مسرعًا نحو البركة. حين وصل إلى الحافة، كان سطح الماء قد هدأ. هذا الهدوء عرفه من قبل، عرفه في غرفة الطوارئ. لم يجد وقتًا ليخلع ملابسه، فانقضّ في الماء رأسًا.

الماء العكر كان كمن أغمض عينيه بقطعة قماش. في الغطسة الأولى، لمس القاع، فوجده باردًا كأنه موسم آخر. فتح ذراعيه ولمّح حوله، لكنه لم يمسّ سوى الماء والطين.

طفو، التقط أنفاسه، ثم غوص من جديد.

في المرة الثانية، نزل من موضع اختفاء الطفل، وصار أذنه تنتفخ، وأصابعها تلمس في الوحل جذر شجرة. أمسكه، فكان جذر شجرة.

في قاع الماء، شعر موسى بالبرد والصمت. صوت الناس في الأعلى ابتعد فجأة، كأنه خلف لحاف سميك. تذكّر عصيدة الدخن التي طبخها أمه صباحًا، وتذكّر وعدته لفاطِمي بأن يصطاد لها سمكة. أراد أن يصرخ: يا أمي، فتسلل الماء إلى حلقته، وزال الصوت.

ثم، انقبض كاحله.

في الغطسة الثالثة، لمس تشين آن قطعة قماش، تشبه أسروالًا. ما إن انطبقت أصابعه حتى انزلقت القطعة من بينها. ارتقى إلى السطح، ولم يجد الوقت إلا لالتقاط نصف نَفَس.

في المرة الرابعة، ملأ رئتيه بالهواء إلى أقصى حد، وفتح ذراعيه في الاتجاه الذي يذكره الطين، وأنزل يديه للالتقاط: الكاحل، ثم الساق، ثم الركبة. جسد الطفل كان أثقل مما تخيّل، ولعله في تلك اللحظة كان هو نفسه قد ضعف. دفع الطفل إلى الأعلى فوق الوحل، وركل بقدميه في الوحل، ورفع بيديه بالتناوب.

خرج موسى أولًا. في اللحظة التي شقّ فيها وجهه الشاحب سطح الماء، سمعت فاطِمي عشرات الأشخاص على الشاطئ يشهقون في آن واحد.

عندما جرُوه إلى الشاطئ، لم يكن موسى يتنفس.

جثا تشين آن على ركبتيه في الوحل، وأخرج الرمال من فم الطفل، ثم ضمّ يديه فوق صدره وضغط عليهما. جثا شياو وي بجواره يعدّ: ثلاثون ضغطة، نفسان، ثم ثلاثون ضغطة. على الأرض الموحشة ظلّان: أحدهما ممدّد والآخر جاثٍ، وفجأة توقفت كل الصيحات والبكاء حولهما، ولم يبقَ سوى صوت شياو وي يعدّ.

في منتصف الدورة الثانية، تدفق الوحل من أنف موسى. وبعده مباشرة، سعلة.

كادت هتافات الشاطئ تُفزع الطيور المائية. جلس تشين آن في الوحل والماء، وملابسه مبلّلة كأنها من حديد، وبقي طويلًا بلا حراك. مدّ إصبعيه إلى جانب رقبة الطفل، وعدّ عشر ثوانٍ بتمعّن كامل، قبل أن يجرؤ على التصديق.

جاءت الأم آمينة راكضة من بيتها، وقد فقدت إحدى شبشبها في منتصف الطريق. عندما شقّ الحشد لها ممرًا ضيقًا، كانت قد استعدّت للأسوأ.

رأت ابنها ممدّدًا على الأرض الموحشة، صدره يعلو ويهبط كمنفاخ قديم. انقضّت عليه تحتضنه، ثم حرّرت يدًا أخرى وأمسكت بها يد الطبيب الصيني الملطخ بالوحل من رأسه إلى قدميه، ووضعها على جبينها، مرة، ثم مرة أخرى. ولم تتوقف عن ترديد الكلمة نفسها، مرة، ثم مرة أخرى.

أخبرهم المترجم المرافق لاحقًا أنها في لغة الزرما أبلغ عبارات الامتنان.

بعد أن قطعت السيارة مسافة بعيدة، تذكّر شياو وي فجأة شيئًا: «دكتور تشين، اليوم عيد الأم».

أجاب تشين آن بصوت «مم»، وظل طويلًا بلا كلام.

في المساء، أجرى مكالمة فيديو مع أمه. رأت أمه في لمح البصر الوحل على كمّه: «نزلت للريف مرة أخرى؟»

«أنقذت طفلًا لشخصٍ ما»، قال.

«هل سلم الطفل؟»

«سلم».

اكتفت الأم بقول «هذا ما يهم»، ثم ذكّرته بأن يأكل. بعد أن أنهى المكالمة، قال تشين آن في داخله كلمات لم يتحدثها: ماما، قلتِ إنك تستطيعين أن تنتشليني مرة، لكن لا تستطيعين أن تنتشليني طوال العمر. اليوم، نيابةً عنك، انتشلتُ ابن أمٍّ أخرى.

بعد أيام قليلة، ذهبوا يحملون الأرز والزيت ورزمة من الدفاتر لزيارة موسى. الجَريح نحيل، كان جالسًا على حصيرة من العشب، وحين رآهم يدخلون، حاول أن ينهمض. سرع تشين آن خطوتين مسكه كي لا يتحرك، وقال بلغة فرنسية ركيكة: استلقِ، لا تتحرك.

عبر المترجم، كان أول سؤال طرحه موسى: «عمّي، كيف يبدو الأمر في قاع الماء؟»

فكّر تشين آن قليلًا ثم أجاب: «هادئ جدًا، لا ترى شيئًا، لا تستطيع إلا أن تبحث بيدك».

أنزل موسى رأسه، وصوته خفيض: «في تلك اللحظة، ظننت أنني لن آكل عصيدة أمي بعد الآن».

لم يجب تشين آن، بل وضع يده فوق ظهر يد الشاب، وبقي هكذا برهة.

عند الوداع، قال موسى إنه حين يتعافى يريد أن يتعلم شيئين: السباحة، وعلاج المرضى.

سأله أحدهم لاحقًا: هل خفت؟ فأجاب: «لم أخف إلا بعد الأمر، ولم أندم قط. كان ذلك أعظم عمل قمت به في حياتي».

كان العاشر من مايو ذلك العام عيد الأم. بركة ماء عكر، ربطت بين يديّ امرأة من ليو تشو، وأمٍّ من نيامي.

هذه القصة مستوحاة من حادث حقيقي، وجميع الشخصيات تحمل أسماء مستعارة.

مستوحى من قصة حقيقية

← السابق يجري أمامك التالي → البحر ليس حدودًا