العلم في الطية
العلم في الطية
واحد
لم يتبقَّ من شعلة الصنوبر إلا نصف قطعة. ضغطتها آمو في الرماد قليلًا، فخفت النار، وأظلمت الغرفة حتى صارت هالةً حمراء.
كان الأطفال الثلاثة نائمين تحت عباءة «تشاروا» الصوفية، تتنفس أحيانًا ببطء وأحيانًا بعجالة. أصغى إليهم طويلًا، ثم نهضت وأخرجت من قاع الصندوق الخشبي حزمةً مغلفة بثلاث طبقات: قماشٌ زيتي، ثم قماشان أبيضان.
وحين ظهر القماش الأحمر، توقفت يدها لحظة.
عرضه يزيد على قليل من الذراع، وطوله نحو ذراعين. مدته على ركبتيها، ومرّرت راحتها عليه من أولِه إلى آخره، كما تُمهِّدُ الأم ثوبَ طفلها المخمورَ في النوم. ثم نشرت تنّورتها المُكرَّرة الزرقاء النيلية، وحرّرت بطنَ التنّور المزدوج بإزميلها، وثنّت القماشَ الأحمر ثلاث طيّات على طول واثنتين على العرض حتى صار شريطًا ضيّقًا، وأدخلته في الداخل.
إبرة رفيعة، وخيط أزرق نيلي انتزعته من تنّورة قديمة. خاطت ببطء شديد: ثلاث غرزات في كل عرض إصبع، لا مُفكوكة ولا ضيّقة. وفي منتصف الخياطة طعنت الإبرة طرفَ إصبعها، فتقطّرت نقطة دم، فضغطت إصبعها على بطن التنّورة، وأكملت الخياطة.
حين صرخ الديك في الليلة الأولى، أنهت الغرزة الأخيرة. وقد ظهر على بطن التنّورة حاشيةٌ صلبة لا يُدرَك أثرُ خياطتها.
لبست التنّورة وجلست إلى حافّة الموقد. ذلك المكان الملاصق لوسطها كان باردًا أول الأمر، ثم صار دافئًا شيئًا فشيئًا.
من تلك الليلة، لم يعد العلم في الصندوق. كان عليها.
اثنان
في مايو من عام ١٩٣٥، ليلةَ دخول جيش العمال الأحمر الجبال، نصّب مُوجي ثلاث نقاط حراسة على الحرف الجبلي.
كان على قوم «إي» - حين يرون الجنود - فعلٌ واحد لا يختلفون عنه: يصعد الناس إلى الجبال، ويتدحرجون الحجارة في الممرات الجبلية. فكلما جاء جنود الحكومة حملوا الغلال، وخطفوا الرجال؛ من يُخطف لحمل مؤن الجيش أو حمل الهوادج يذهب ولا يعود لسنوات. وهذه قوانين الجبل اشتُريت بالأرواح، لا شُرحت بالكلام.
لكن هذه المرة، عندما عاد الجواسيس بما رأوا، طلب مُوجي منهم أن يروا الحكاية مرتين.
أولًا: تدحرجت الحجارة، فلم يُرِد الجنودُ إطلاقَ النار، وساروا ملتصقين بأصول الجرف. ثم نزل فتيانٌ من قوم «إي» وسلبوا أكياسَ الحنطة وحِقَبهم وثيابهم حتى القمصان، فظل الجنود جاثين على الأرض يعانقون بنادقهم، لا يقاومون ولا يشتمن. ولم يكن يقول القائد العسكري إلا جملة واحدة يعيدها ويكررها، ففهمها المترجم:
«إن ضربتمونا لا تردوا الضرب، وإن شتمناكم لا تردوا الشتم.»
جثم مُوجي عند الموقد يُدخّن نصف الليل. وعند الفجر أرسل أخاه ليقول: إن قائدَ جيش العمال أرسل رسالةً عبر المترجم يطلب فيها لقاءَ رئيس عشيرة «قووتشي»، والمكان يحدده الرئيس.
اختار مُوجي بحيرة «إي». وقبل أن يذهب، رصّف على المنحدر المقابل رماةَ خدوشٍ وسهامٍ مختبئين في العشب، ولم يصحبه إلا أربعة رجال.
تقع بحيرة «إي» في سهلٍ بين جبلين، وماؤها ينحدر من الثلوج، أخضر مائل إلى الغُمرة، وإن مرّت به الريح ملأه بريقٌ مُتفتّت. في آخر مايو لم يبقَ من أزهار «سُوما» إلا عناقيدٌ قليلة على حوافّ الجروف، أما العشب فقد اكتمل خُضره.
حين جاء القائد لم يكن معه كثيرون، وكانت بنادقهم معلّقةً على ظهورهم مائلة، وأيديهم فارغة. قدّم المترجم: «قائد جيش العمال، اسمه شن.»
كانت الكلمات تمرّ بلسان المترجم، تذهب وتعود.
تكلّم مُوجي أولًا: «جيشُ من أنتم؟»
«جيشُ العمال الحمر،» ترجم المترجم، «جيشُ المذلوبين في العالم كله.»
«لم يأتِ جيشُ الهان إلى الجبال قطُّ إلا بخيرٍ كثير.»
«في الهان من هو صالح ومن هو فاسد.» قال القائد شن بصوتٍ غير مرتفع: «الذين ظلموا قومَ «إي» هم الحكام الفاسد والجنود الفاسد، وليسوا نحن. نحن عابرو سبيلٍ هذه المرة، ذاهبون شمالًا لمحاربة اليابان، لإنقاذ الصين.»
«عبرُ سبيل؟» قال مُوجي، «عبروا فسكنوا ولم يرحلوا، رأيتُهم.»
«نعبر ولا نحتلّ.» قال شن: «ما وراء الجبل نهرُ داتو العظيم، ولن نلبث لحظة واحدة أكثر من اللازم.»
سأل مُوجي: «فتياننا سلَبوا ثيابكم، فلماذا لم تردوا الضرب؟؟»
ترجم المترجم السؤال. سكت القائد شن لحظة.
«هذه قاعدتنا: في أرض «إي»، إن ضُربنا لا نرد الضرب، وإن شُتمَنا لا نرد الشتم.» قال: «وما ذُهب فليكن ثمنًا يُقضى عنه. هذه السنوات ظلمَ حكامُ الهانُ قومَ «إي»، فتراكم الدَّين ولا يُقضى دفعةً واحدة؛ هذ شيءٌ يسير منه.»
حدّق مُوجي في هذا القائد ذي اللهجة السيتشوانية طويلًا. أهلُ الجبال يعترفون بالقوة، ويعترفون أيضًا بالحق. عدمُ ردّ الضرب قوةٌ وحقٌّ معًا.
في ذلك الظهيرة أرسل مُوجي رجالًا إلى بيته فجاؤوا بديكٍ أحمر. لم يكن هناك خمر؛ لم يَدَع المكانُ في القلعة وقتًا لتحضيرها. قال شن: لا خمر، فالماء خمر.
جلس الرجلان عند حافة البحيرة، أمام كلٍّ منهما وعاءٌ خشن، فيه ماء البحيرة الصافي. قطروا دمَ الديك فيه، فحمَرّ وتفرّق، ثم خفت لونه رويدًا رويدًا.
تقدّم شن: «السماء فوقنا، والأرض تحتنا، وبحيرة «إي» شاهدة. أنا شن وهذا مُوجي نتعاهدان اليوم على الأخوّة. قومُ «إي» وقومُ الهان أهلٌ لبعضهم من اليوم، والشدةَ نشتدّ بها معًا.»
ردّد مُوجي عهده. رفع الاثنان وعاءَيهما وشربا الماء.
كان الماء باردًا جدًا. لم يستطع مُوجي فيما بعد أن يشرح للناس ما جرى ذلك اليوم؛ لم يستطع قول شيء إلا هذه الجملة: ذلك الماء، أحرّ من الخمر.
وعند الوداع، أخرج شن من حقيبته قطعة قماش حمراء ونشرها بيديه الاثنتين. في أسفل القماش سطرٌ بحبرٍ أسود:
فرقة «قوّتشي» من جيش العمال الحمر لقومية «إي».
قال: «كلمةُ «قوّتشي» في العلم كُتبت لأجل عشيرتكم. من اليوم، رجالُ عشيرة قووتشي فرقةٌ من جيش العمال. هذا العلم أؤمّنكم إياه. سنمضي وسنعود. ما دام العلم باقيًا، فالفرقة باقية.»
انحنى مُوجي وأخذه بيديه الاثنتين. كان العلم أخف مما تخيّل، وأثقل من كل شيء.
قال شن أيضًا: «حين تنتهي الحرب ويأتي السلام، سيمدّون طريقًا كبيرًا عند بحيرة «إي»، ويدخل أطفالُ «إي» المدرسة. حين نعود، نلتقي عند هذا الماء نفسه.»
في مساء اليوم نفسه، اجتمع رجال عشيرة «قووتشي» في السهل. سنّ مُوجي القوانين: مرورُ الجيش الأحمر دون تدحرج حجر واحد، دون خطف جندي واحد، دون مسّ إبرة أو خيط. واختار أكثر من عشرة فتيانٍ ركضَاء ليرشدوا الجيش، وسار هو بنفسه في المقدمة في اليوم الأول. في أيام عبور الجيش، كان البيع والشراء بالفضة، والمبيت تحت الأفارقة؛ فأُغلقت أبواب القريّ أول الأمر، ثم انفتحت كلُّها فيما بعد نصفَها على الأقل. ترك الجيش في مؤخرته جرحى ومرضى قليلين، فوزّعتهم عشيرة قووتشي على القرى لرعايتهم، وحين شُفوا أُخرجوا واحدًا واحدًا من الجبال.
يومَ انطلاق الجيش، مشى شن مع مُوجي كتفًا بكتف مسافةً، وقال عند الفراق: «نلتقي عند بحيرة «إي».»
في ليلته الأخيرة في البيت، نشر مُوجي العلم أمام آمو.
«احفظي شكله.»
قالت آمو: حفظته.
«واحفظي من أعطاه.»
«حفظته أيضًا.»
ثلاثة
كان شياومان في السابعة عشرة، من جيانغشي، وقد غيّر نعليه القشبيين نِسْجَهما ثلاث مرات.
في الليلة التي سبقت دخول أرض «إي»، جمعَ رقيبُ الفرقة جنودَها كلَّهم وأوصاهم بواحدة فقط: البندقية محمولة جيدًا، والأيدي لا تلمس شيئًا. همس قائل: يقال إن من دخل أرض «إي» لا يخرج منها. قال الرقيب: «ما يحذرونه ليس نحن أنتَ وأنا، بل الحساب المتراكم طوال هذه السنوات. والحساب محفوظ على رؤوسنا، فلا تردّوا عليهم الكلام.»
يومَ دخول الجبل، كان الجرفان من الجانبين مليئين بالناس. كانت الصفارات تتبادل الصرخة صرخةً، من جبلٍ إلى جبل، كصوت العصافير وغيرَ صوت العصافير. وكانت راحة شياومان تفرز العرق.
جاء الدليلون. رجالُ «إي» يرتدون عباءات «تشاروا»، وعلى رؤوسهم عمائم سوداء تُلَفُّ في رأسٍ مدبّب، يسلكون دروب الجبل كأنها سهول. سار الجيش في الوسط، وآلافُ العيون من الجانبين تتابعوه ثلاثة أيام، ولم يتدحرج حجر واحد.
في الليلة الثانية هطل المطر، ولا قرية أمامهم ولا كَنْف خلفهم، ففتحت قريةٌ أمامية أبوابها وأذنت للجنود بالمبيت تحت الأفارقة. وعند الموقد كانت العجوز من «إي» تحشي أيدي الجنود بالبطاطا المحمّصة وهي تُنهرهم وهي تُنهرهم؛ كان كلامها طويلًا أُعيت المترجم، فلم ينقل منه إلا جملة: «تقول: إن ابتلَّت الثياب مرضتم.»
جثم شياومان عند النار يُجفّف قدميه، وذكِر الكلامَ الذي رتَّبه في نفسه قبل دخول الجبل، فاحمرّ وجهه قليلًا. تعلّم من المترجم بعض كلمات «إي»، وأكثرها رسوخًا في ذاكرته «كاشا-شا»: شكرًا.
وفي اليوم الثالث حدث أمر. جنديٌّ جاعٌ جُدّ، مرَّ بحقل منحدرٍ فاخطف بطاطتين وجعلهما في جيبه. لم يرَه أهل «إي»، لكن الرقيب رآه. أوقف الجيش، وأوصل الرجلَ إلى صاحب الحقل، وأخرج قروشًا فضيةً وطلب المترجم أن يعتذر عنه. ردّ العجوزُ الفضّة، فردّها ثلاث مرات، ثم أخذها، وحبد من سلّته قبضةَ فولٍ وسندها في يد الجندي. قال المترجم: يقول: البطاطا لا تُسعَر، القاعدة هي ما له الثمن.
خرج الجندي ووجهه يحتقَر. رآه شياومان، فحفظ هذا الأمر ما حيي.
في ضهر اليوم الثالث استراحوا عند جدول، فجاء عجوزٌ من «إي» يتهادى حاملًا قِدرًا من حديد، وناولها الجيشَ بيديه الاثنتين وقال كلامًا طويلًا. لم يُخرج المترجم منه إلا جملة: يقول: قِدرُ الفرقة التي مرّت أخذه ولدٌ من القرية لا يعرف الأمور، وقد سُدِّد الحساب، وقد رُدَّ القِدر.
أخذ الرقيب القدرَ بيديه الاثنتين، ووقف منتصبًا، وانحنى انحناءةً خفيفة.
جثم شياومان عند الجدول يشرب، فجثمت أمامه امرأة. تنّورة زرقاء نيلية مُكرَّرة، وفي بطنها خطٌّ أحمر. حشدت في يده رغيفًا من خبز الحنطة السوداء - كان في الأمس في مؤخرة الصف، شاحبَ الشفتين، فغالبًا رأت ذلك.
قال شياومان الكلمةَ التي تعلّمها: «كاشا-شا.»
ابتسمت الـمرأة ابتسامةً خفيفة، فالتوتَّ عيناها، ونهضت ومضت. طيّاتُ تنّورتها المُكرَّرة طبقةً فوق طبقة، كتموّجات الماء.
في اليوم الخامس خرجوا من الجبال. التفت خلفه: ظلالُ الجبال طبقةٌ تدفع طبقةً، ومواقدُ «إي» متناثرة في الأودية، كأن أحدًا رشّ النجوم فهبَت نصفُها إلى أسفل. قال الرقيب: ما وراء الجبل المُقبَل نهر داتو.
سأل شياومان: «يا رقيب، هل ستتذكّرنا أهلُ «إي»؟»
قال الرقيب: «إذا تذكّرنا نحن إيّاهم أولًا، تذكّرونا.»
كان على لسان شياومان نصُّ جملة أخرى لم يقلها، أخفاها في صدره: أن يرجع بعد الحرب ليَنظرَ إلى بحيرة «إي». كان في تلك السنة في السابعة عشرة، وظنّ أنه لن ينتظر سوى سنوات قليلة.
أربعة
في الشهر الثالث بعد رحيل الجيش الأحمر، عاد جنود الحكومة إلى الجبال.
كان ذريتهم كلمتان من الحكومة: المواطنة مع الجيش الأحمر.
جلس أهلُ المقاطعة في مكان الشرف عند الموقد وقالوا بوضوح: سَلِّموا العلم الذي أعطاكم إياه الجيش الأحمر نغفرُ لكم ما سلف؛ وإن رفضتم فالغرامة اثنا عشر ألف تائل فضة، ومئة وعشرون من الغنم.
قال مُوجي: «الفضّة والغنم: ما عندنا ندفعُه كلَّه. أما العلم، فلا.»
قال القادم: «قطعةُ قماشٍ حمراء.»
قال مُوجي: «القماش قماش. أما ما كُتب عليه فليس قماشًا.»
بدأ الجنود التفتيش. قلّبوا صناديق الغلال، وفكّوا ألواح الأسرّة، وطعنت قضبانُ الحديد كوّاتٍ في أكوام القش لا تُحصى، وذكّروا بالحطب الرطب كهفَ الصخر خلف البيت نصفَ نهار، وحفروا تحت الموقد ثلاثة أذرع. وعامًا بعد ذلك عادوا ومعهم حدّاد، فرفعوا ألواحَ القبو في ركن الدار لوحًا لوحًا طوالَ يوم. جلس مُوجي على العتبة ينظر، ولا شيء على وجهه، وفي داخله يحسب: هذا المخبأ الخامس للعلم. بقي مخبآن، كلاهما في مكان لا يخطر لهما ببال.
دخل العلم فيما بعد الصندوق الخشبي، مُلقىً في قاعه. ذلك المكان لا يعرفه إلا أربعة من أهل البيت.
في تلك السنوات بِيعت الحقول، وضاعت البقر والغنم، وتحولت حُليُّ آمو الفضية - مهرُها - تالةً تالة إلى غرامات. كانت تنسج الصوف في النهار لدفع الضريبة، ويستمر صوت نولها إلى نصف الليل. طَنَّ شيخٌ من العشيرة عند الموقد: «قطعةُ قماشٍ تُقرَض حياة أهل بيتٍ كامل؛ لا تساوي.»
قال مُوجي: «ليس القماشَ ما يريدون. إنهم يريدون إبطالَ ذلك الوعاء من الماء عند بحيرة «إي».»
ونصحه آخرون أن يُخرِج العلم من الجبال، فَيَرحَب عن البال. هزّ مُوجي رأسه: «إذا خرج العلم من بيت قووتشي لم يعد من قووتشي. شيءٌ أؤمِنني إياه أهلُ الجيش الأحمر: ما دمتُ موجودًا فهو موجود.»
كان يؤمن أن الجيش الأحمر سيعود. ولم يؤمن به العشيرة؛ زمنُ حروبٍ وفوضى، ولم يأتِ خبرٌ واحد لسنوات. لم يكن في جواب مُوجي إلا: «مَن شرب وعاءَ الماء عند بحيرة «إي» يعرف طريقَ العودة.»
في خريف ١٩٤٢، بلغه أهلُ عشيرة زوجته رسالةً يستدعونه لتحكيم خصومةٍ على بعد عشرات الأميال. نصحه أخوه ألّا يذهب، يقول: ما خارج الجبال غير آمن هذه الأعوام. جهّز مُوجي حقيبته. حشدت آمو في الحقيبة رغيفي خبز الحنطة، ثم أضافت ثالثًا.
قال: «بقيت، آكلها عند عودتي.»
لما بلغت القافلةُ الممرَّ الجبلي، كان الريح هناك أقسى من غيره. وعشبُ المنحدر المقابل يخضع للموجة تلو الموجة.
من ذلك المنحدر نزلت الرصاصات.
حين حملوه إلى بيته كان النهار قد أظلم. في ذلك اليوم لم يدخل بيتَه على قدميه.
خمسة
بقي مُوجي مستلقيًا عند الموقد ثلاثة أيام.
في الليلة الثالثة طلب من آمو أن تُقرب الأولاد، وأن تُلصق أذنها. كان صوته خفيفًا، تقطّع الجملة الواحدة نَفَسَين.
قال: «العلم لا يُضَع. أن تُضَيَّعَ النفس جائز، أما العلم فلا. الجيشُ الأحمر أهلُ عهد، سيعودون.»
أومأت آمو.
قال أيضًا: «إن لم يتذكّر الأولادُ أباهم فلا حرج. أن يتذكّروا بحيرةَ «إي».»
في الفجر الرابع، ارتجفت شعلةُ الموقد ارتجافة. ومضى.
في أيام العزاء جاء الناسُ كثيرين، وجاءت عيونُ الحكومة كثيرة. أمضت آمو الحدثَ حدثًا وفق العادات، ولم تنُح — الأطفال الثلاثة ينظرون إليها، فلم يكن لها أن تنُح.
في الليلة السابعة، لم يتبقَّ من شعلة الصنوبر إلا نصف قطعة. صغّرت النار، وخاطت العلم في بطن التنّورة.
لم تَبكِ وهي تخيط. وعند الغرزة الأخيرة قالت بصوتٍ خفيض: «اطمئنّ.»
صار العلم منذ ذلك اليوم عليها.
لكن الأمر كان أعقد مما ظنت. في أول شتاء وصلها الهمس: العلم عند امرأة من بيت قووتشي. جاء الجنود يفتّشون فقلبوا الخزائن حتى بدا قعرُ جرار الأرز، وناوكوا بعصا الوَي على عشّ السنونو في العارضة. أوقفتهم أربعةٌ من حول الموقد، وتوقفت عينُ قائدِهم على تنّورتها المُكرَّرة.
خطٌّ أحمر في بطن التنّورة، والأزرق النيلي قد ابيضّه الغسل.
قال قائدُهم: «ارفعي يديك.»
رفعت آمو يديها الاثنتين مستويتين. كانت الحاشية الصلبة في بطن التنّورة ملاصقةً لجلدها، باردة، ثم تصير دافئة شيئًا فشيئًا.
تكلّم الجندي الأكبر سنًا: «لا يجوز. عادةُ أهل «إي»: لا يُمسُّ أحدٌ تنّورةَ امرأة. لو قلبنا هذه التنّورة، إلى أي جيل سيصل عداوةُ الجبل؟ شأنُ رجلها لا علاقة له بالتنّورة.»
حدّق فيه قائدُهم طويلًا، ثم أخفض يده في النهاية، وهمس وشتم وهو يقود رجالَه خارجًا من الدار.
ذلت قوائمُ آمو، فتمسّكت بالعارضة كي لا تجثو. علّق الابنُ الأكبر ذراعيه حول وسطها من الخلف، والصق خدَّه بتلك الحاشية الصلبة. ربّتت على يد طفلها ولم تتكلم.
منذ ذلك اليوم شرعت قانونَ البيت: التنّورة لا تفارق الجسد؛ تلبسها في الحقل، وفي السوق، وفي النوم أيضًا. وإذا اختفت الأمّ - في بطن التنّورة، في الطيّة الثالثة من جهة اليسار - غرزٌ مخلوع: انفكيه، فالعلم هناك، ينتظر مكانَ أبيه. قالت هذا للابن الأكبر، ثم قالته للثاني.
وطيّت السنوات، فخفت همسُ الخارج. ذاع في الخارج أن الحكومة أحرقَت العلم زمنًا بعيدًا. كان أخوه من أشاع ذلك بين الناس، حكى الحكايةَ مدعًّا عليها شواهدَها. وما يعرف مكانَ العلم إلا أربعةٌ عند الموقد - على وسط الأمّ، رافقَها عامًا بعد عام.
ابْليت ثلاثُ تنّورات. في كل استبدال كانت تفكّ الخياطة ليلةً كاملة وتخيط ليلةً كاملة. خمسَ عشرة سنة انتقل العلم بين ثلاثة بيوت، ولم يفارق وسطَها أبدًا.
سألت الابنة الصغيرة مرة: «أمّاه، لماذا بطنُ تنّورتك مزدوج؟»
قالت آمو: «في وسط المرءِ شيءٌ يجب أن يحتمله.»
وفي الثاني والعشرين من مايو من كل عام تقود غنمها مرّةً عند بحيرة «إي». لا تفكّ العلم ولا تقف طويلًا؛ يكفي أن تضع يدها على وسطها وتعبر. وفي سنةٍ سأل الابن الأكبر: «أمّاه، هل البحيرة جميلة؟»
قالت: «جميلة. ماؤها بارد، صافٍ.»
سأل الابن: «والجيشُ الأحمر الذي حكى عنه أبي، هل سيأتي حقًا؟»
«سيأتي.»
«وإن لم يأتِ؟»
«إذا أتى لن تسأل بعدُ.»
اصفرّت حنطة السوداء خمسَ عشرة مرّة. شعرُها أولًا اختلط بالرماد، ثم اختلط بالثلج. مَن في وسطه شيء، تُقرَأ خطوَه.
في ربيع ١٩٥٠ جاء من أسفل الجبل من يقول: جيشُ التحرير دخل مدينة ميانيينغ. لينُ الكلام، ويؤدّون ثمن ما يشترون، ونومُهم في الليل تحت الأفارقة.
كانت آمو تُغربل حنطةَ السوداء تحت العارضة. وضعت الغربال، ووقفت طويلًا جدًا جدًا.
في تلك الليلة فكّت غرزَ بطن التنّورة. عملُ خمس عشرة سنة يُبنى، ويُفكّ في ليلة.
ستة
في مايو ١٩٥٠ عاد شياومان إلى أرض «إي».
في الواحدة والثلاثين، لم يكن يلبس زيَّ الجيش القديم، وفي حقيبته كتاب رسمي من فريق العمل. كانت المهمة الموكلة إليه قصيرة: أن يجد بيت قووتشي، وأن يجد ذاك العلم. القائد يظل يتذكر ذلك الوعاء من الماء عند بحيرة «إي». أما هذه المهمة فقد طلبها بنفسه.
مُدَّ شطرٌ من الطريق الجبلي ثم انهار، وما انهار يُقطَع على طريقة الأجداد. ازهرت أزهار «سوما» من جديد، على حالها: عناقيد قليلة على حواف الجروف.
أول ما رآه كانت بحيرة «إي»: ماؤها بارد، صافٍ، وإن مرّت الريح ملأه بريقٌ متفتت. وقف شياومان عند الماء. نصفُ الجملة التي لم تُقل في سنّ السابعة عشرة، أتمّها هذه المرة على باطن قدميه.
دار قووتشي على هضبة الجبل. في الدار امرأة تنشر الصوف في الشمس، صدغانها قد ابيضّا، وظهرها ما زال منتصبًا.
وقف شياومان عند الباب وقال الجملة التي تعلّمها قبل خمسة عشر عامًا: «كاشا-شا.»
استقامت المرأة ونظرت إليه طويلًا.
قالت: «سنةَ مرور الجيش، كان بينهم ولدٌ شاحبُ الشفتين كالورق.»
«كنتُ هو،» قال شياومان.
في تلك الليلة اجتمع حول الموقد بيتٌ من الناس. تلاقت الكلماتُ قطعةً قطعة: الممر الجبلي، ١٩٤٢، ثلاثة أيام. حكت آمو بسكون، كمن يحكي حكايةَ أهل بيتٍ آخر. ولم تتوقف إلا عند قوله «أن تُضَيَّعَ النفس جائز، أما العلم فلا»؛ توقفت، وألقت حزمةَ حطبٍ في الموقد.
في صباح اليوم التالي، لبست آمو أحدثَ تنّوراتها الثلاث، التنّورةَ الزرقاء النيلية المكرَّرة، وأخرجت من البيت حزمةً. طبقة، طبقة، ثم طبقة، ثم الفكّ.
انشر العلمُ الأحمر أمام شياومان. كان الأحمر قد هرِم، كأحمرَ خِدٍّ سُمسك على شموس صيفٍ كثيرة؛ أما ذلك السطر بحبره الأسود فلم يتشعب حرفٌ منه:
فرقة «قوّتشي» من جيش العمال الحمر لقومية «إي».
مدّت آمو كفَّها ومرّرت عليها من أولِه إلى آخره - كما تُمهِّدُ ثوبَ طفلٍ مخمورٍ في النوم - ثم قدمت العلم قليلًا إلى الأمام.
قالت: «تركَ وصية: إن الجيش الأحمر سيعود. وقد عدتم. العلم أسلّمه إليكم؛ أما الإنسان فلم أستطع إبقاءه.»
رأى شياومان صفًّا من الغرزات الدقيقة يسري على حاشية العلم من طرفه إلى طرفه. رآه ولم يسأل. أخذ العلم بيديه الاثنتين، وأخذَه ببطء شديد. ثم تراجع خطوة، ورفع يده، وقدّم لها تحية عسكرية. رفع وراءه الجنودُ أيديهم، صفٌّ من الأيدي عند حوافّ القبعات.
قبلت آمو هذه التحية. نظرت نحو جهة بحيرة «إي» وسألت: «والقائدُ شن الذي شرب ذلك الوعاء من الماء عند هذه البحيرة، هل ما زال؟»
«ما زال، في بيكين،» قال شياومان. «ما زال يتذكر ذلك الوعاء، ويتذكر بيت قووتشي. وما وعد به يُنفَّذ اليوم بندًا بندًا: الطريق يُمدَّد، والمدرسة تُبنى.»
سكنت آمو لحظة، ثم أومأت: «حسنًا. مَن شرب وعاءً من الماء، يُحسِب حسابَه عمرًا. إنهم يحسِبون، ونحن نحسِب.»
حين نزل الجيشُ من الجبل، ودّعتهم آمو حتى باب الدار، ثم لحقت بهم خطوتين وحشدت في حقيبة شياومان رغيفَي خبز حنطة سوداء.
«للطريق.»
قبض شياومان على حزام الحقيبة، وتحرّك حلقه مرتين، وقال الجملةَ المُتعلَّمة مرةً أخرى: «كاشا-شا.»
هذه المرة، قالها ببطء.
سبعة
ذهب العلم فيما بعد إلى بيكين، وهو اليوم في خزانة عرضٍ في متحف الثورة الشعبية العسكرية الصينية، من الآثار الوطنية ذات الدرجة الأولى. الزجاج سميك، والإضاءة هادئة، وما زال ذلك السطر على القماش الأحمر واضحًا رغم العقود.
قامت عند البحيرة لوحةُ تذكار. وفي آخر كل مايو، حين تزهر «سوما»، يأتي الناس: منهم من يقود فرسه، ومنهم من يحمل طفله على ظهره، ومنهم من يلبس الزيّ الرسمي، ومنهم من يلبس التنّورة الزرقاء النيلية المكرَّرة. ومن أحفاد قووتشي مَن صار جنديًا، ومَن دخل المدرسة.
وقليلون من يعلم أن هذا العلم سكن خمسَ عشرة سنةً في بطن تنّورة امرأةٍ من قوم «إي». ومن يعلم يحمي سرَّها؛ ومن لا يعلم، إن وقف عند ذلك السطر، تباطأت خطاه ولو قليلًا.
الماء الذي شهد لا يشيخ. بحيرة «إي» ما زالت في مكانها: باردة، صافية، وإن مرّت الريح ملأتها بريقٌ متفتت.
هذا النص مأخوذ عن حادثة حقيقية، وكل الأسماء مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية