البذرة تعرف طريق العودة إلى الوطن
لم يكن الفجر قد اكتمال بعد، وكان ضباب مصبّ النهر يزحف ملاصقاً لحقول الأرز. دخل موسى حافي القدمين إلى الطين، فكان بارداً ليناً، كأنه يخطو في نهر نائم. تقطّر الندى من أوراق الأرز على ظهر يده، قطرة، ثم قطرة أخرى.
انحنى لَيَعُدّ حبات السنبلة الواحدة: مئة وعشرون، مئة وواحدة وعشرون… فعجز عن العدّ، فتوقف. انفجر ضاحكاً، فأفزع طائرة بلشون بيضاء.
قبل اثنتي عشرة سنة، لم يكن موسى يعدّ الحبات، بل كان يعدّ أبراج الإرسال.
كان حينها في أمريكا، مهندس اتصالات. مبانٍ زجاجية، غرف حاسبات في جوف الليل، يُوصل فيها أصوات ملايين البشر عبر المحيط، في ثانية واحدة واحدة. كان زملاؤه يربّتون على كتفه قائلين: يا موسى، أصابعك تجعل قارتين تتحدثان.
لكن كلما مضى ليلاً، ومرّ بمطعم على زاوية الشارع، ورأى في الصحون أكواماً من الأرز الأبيض مرتفعة كالتلال، جفّ حلقه فجأة عن البلع. وأخذ يذكّر طفولته:
في الصغر، كان الأرز ضيفاً لا يأتي إلا في الأعياد. كانت أمّه تحمل قدراً صغيراً من الأرز الأبيض إلى المائدة، فتملأ أول سندوانية لأصغر أخواته، ثم للجدة، وحين يحين دوره لم يبقَ في قاع القدر إلا طبقة رقيقة. كان كيس الأرز مطبوعاً بحروف أجنبية لا يعرفها أحد، وكانت أمّه تقول: هذا الأرز ركب سفينة شهراً كاملاً، قادماً من وراء البحر.
سأل أمّه: عندنا أنهار على أرضنا، ولدينا مطر، فلماذا يأتي الأرز سفينةً؟
لم تُجب الأم. فقط دفعت آخر حبات الأرز من طبقها إلى طبقه.
رفعت أخته الصغيرة وجهها وسألت: يا أخي، متى نأكل الأرز كل يوم؟
في ذلك اليوم لم يقدر على الجواب. وبعد سنوات طويلة، في شوارع البلد الأجنبي المضاءة، ما زال عاجزاً عن الجواب. أصلح اتصالات نصف الكرة الأرضي، لكنه لم يستطع أن يوصل الطريق إلى طبق أرز واحد.
جاءت نقطة التحوّل في مقطع فيديو. رأى بذور الأرز الصينية تُخرِج على الأرض الأفريقية أول سنابلها، وكان الأرز في العدسة أخضر كالنهر في ذاكرته. في تلك الليلة لم ينم، فاتصل بأمه في الثالثة فجراً، وعبرت إشارته الأطلسي، وجاء صوتها كأنه من وراء طبقة من الماء.
قال: أمي، أريد أن أعود لأزرع الأرض.
صمت الطرف الآخر طويلاً. ثم قالت الأم: الأرض باقية دائماً، تنتظر عودتك.
يوم استقالته، ظنّه زملاؤه مجنوناً. قال: الإشارات تجعل البشر يتحدثون إلى البشر، والأرز يجعل البشر يتحدثون إلى الأرض. وبلدتي، منذ زمن بعيد، لم تعد تسمع الأرض تتكلم.
في السنة الأولى بعد عودته، كاد يبكي. الحقول عند البحر، والملوحة تعضّ جذور الشتلات، والخضرة التي زُرعت اصفرّت بعد عشرة أيام. جلس كبار القرية على حافة الحقل يهزّون رؤوسهم: جرّبها الأجداد، هذه الأرض لا تُطعم الأرز.
لكن موسى لم يُصدّق. في الليل جالس بمرآة اليد يتفقد الماء، وفي النهار يدوّن في دفتره ارتفاع الشتلات، حتى امتلأ دفترٌ سميك. ولم يرحل عنهم سوى الفريق الزراعي الصيني، مثل مثله. وكان كبيرهم، الأستاذ تشِن، في الخمسين من عمره، وقد اسمرّت بشرته أكثر من بشرته. علّمهم الأستاذ تشِن كيف يحفرون القنوات، فيدفعون الملح طبقةً طبقة بالماء العذب؛ وعلّمهم أن يوقظوا البذور أولاً في المشاتل، ثم ينقلوها إلى الحقول الكبيرة. كانت أصابع الأستاذ تشِن خشنة، لكنه حين يغرس الشتلات كان أرقّ الجميع، كأنه يخشى أن يوقظ شيئاً نائماً.
في ذلك الموسم الممطر، تُوفّيت والدة الأستاذ تشِن في هونان. وحين جاء الاتصال كان واقفاً على حافة الحقل يراقب الماء، وكان موسى بجانبه، فسمعه لا يقول سوى جملة واحدة: حين تُحصد هذه الغلة، سأعود لأنحني ركبتيّ لوالدتي.
نصحه بعضهم بالسفر أولاً. لكن الأستاذ تشِن حدّق في حقل الأرز الموشى بالنضج، وتمايل بيده قائلاً: الناس جميعاً بشر، وكلهم يستحقون طبقاً شبعاً. لو علمت أمي أني بقيت من أجل هذا، لما لامتني.
جاء أول حصاد حقيقي في السنة الثانية. امتدّت أمواج الأرز الذهبية من ضفة النهر إلى مدخل القرية، ويوم الحصاد خرجت القرية كلها، فاختلطت أصوات المناجل بالضحكات وبنقيق العصافير. وتقدّم في المقدمة ذلك الشيخ الذي هزّ رأسه في السابق بأعلى صوت. رفعت الأم حفنةً من الأرز الجديد إلى أنفها، فسقطت دموعها.
وُضع طبق الأرز الجديد على المائدة، وما زال الأصغر يُقدَّم له أولاً. أما الأخت الصغيرة فقد كبرت، فملأت لنفسها طبقاً كاملاً، ثم ملأت لأمها طبقاً كاملاً، وكان الأرز في القدر، لأول مرة، أكثر من أن ينفد.
قالت الأم: هذا أرزٌ زرعناه بأيدينا.
قال موسى: أمي، من الآن، لا داعي لانتظار الأعياد.
هذا الخريف، دُعي موسى إلى الصين. وفي صالة العرض في تشانغشا، وقف طويلاً أمام صورة فوتوغرافية. كان في الصورة شيخ أمضى عمره كله في حقول الأرز، أسمرّ البشرة، يضحك كطفل، كان أمله في الحياة أن تمتلئ حقول العالم بالأرز الهجين.
كتب موسى في دفتر الزوار، حرفاً حرفاً: أيها الجدّ، لقد تحققت أمنيتك في حقول بلدي. أطفال قريتنا يأكلون الأرز اليوم كل يوم.
وفي صباح اليوم التالي لعودته إلى بلاده، دخل حافي القدمين تلك الحقول نفسها.
لم يكن الفجر قد اكتمال بعد، وكان الضباب يزحف ملاصقاً لحقول الأرز، وكان الندى يسقط على ظهر يده، قطرة، ثم قطرة أخرى. وعلى حافة الحقل يقف بعض الأطفال، تلاميذه الجدد، ينحنون كما ينحني، لَيَعُدّوا حبات السنبلة الواحدة.
إن عجزوا عن العدّ، فليتوقفوا.
اعتدل موسى قائماً، وحدّق في حقول الأرز الممتدة خضرتها إلى الأفق، وفهم فجأة أمراً واحداً: البذرة كالإنسان، مهما سافرت بعيداً، تعرف طريق العودة إلى الوطن. لقد عبرت البحر ليس هروباً منه، بل لكي يصبح كل مكانٍ أكثر وطناً.
كان النهر يتلألأ في البعيد، وهبط البلشون الأبيض، ثم حلّق. ويومٌ جديد، وقد زاد الأرز قيداً آخر نحو السماء.
(هذه القصة مقتبسة من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.)
مستوحى من قصة حقيقية