Heartstories
رجوع
|
مصباحٌ مُضَاء

مصباحٌ مُضَاء

قصير 2026-09-13 · 4 دقيقة قراءة

«أُطفئت الأنوار!» في العتمة، صاح أحدهم بصوتٍ خفيض، وكأنّه يُعلن عن غروبٍ صغيرٍ لغرفة السكن كلّها.

لم تُجب. مدّت يدُك في الظلام حاملةً ذلك المقعَد الخشبي الصغير — كان قد سكن الغرفة قبلك، وكان الآن ينتظرك بصمت. في نهاية الممرّ مصباحٌ واحد، أصفرُ باهت، يشبه برتقالةً أبتت أن تنضج. وضعتَ المقعَد، وبسعتَ على ركبتيك «شِينغ»، ديوان الأغاني القديمة. «القصبُ الأبيضُ شَمِلَ الغابة، والندى الصقيلُ صارَ صقيعًا» — ثمانيةُ كلماتٍ، قرأتها على مهلٍ، مهلٍ حتى نامت خطواتُ العابرين في الممرّ واحدًا بعد الآخر.

أما مصباح دورة المياه فكان أشدَّ بياضًا، وأشدَّ قسوة، يُضيء البلاط، ويُضيء آثار الماء، ويُضيء لفّةً من «لون يو»، حوارات كونفوشيوس. «التعلُّمُ ثمّ المُراجعةُ باستمرار» — عدّدتَ الكلمات في قلبك واحدةً واحدة، كأنّك تَعُدُّ خرزاتٍ مبعثرة. في سنة ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسٍ وتسعين، كانت رياحُ نهر تشوجيانغ مبلّلة، وكانت جامعاتُ الجنوب تُطفئ أنوارَها كلَّ ليلة، لكنّ شقوقًا كانت تُسرّب الضوء دائمًا، وكأنّه مخصَّصٌ للكتب التي ترفض النوم.

ثم حملَك البحرُ إلى وطنك.

شوارعُ كيلانغ كانت حارّة. تحت الأروقة الممتدّة، كانت الأقدامُ تمضي وتجيء، ورائحةُ «باك كوت تيه» العشبية تختلط بضجيج السيارات والناس، تجري غاليةً في الشارع كله. كنتَ تمشي بين الحشد، وفي صدرك جمرٌ من نارٍ لا تجد له موضعَ الموقد.

حاول أحدهم نصحك: «مدرسةٌ للتعليم في قلب السوق؟ الجارُ محلُ ذهب، والمقابل مطعمٌ شعبيّ — من ذا الذي يجد وقتًا فراغًا ليأتي يستمع إلى سو دونغ بو؟» لم تُجامل. لم تجدِل. وضعت المصباحَ عند الباب فجعلته أسطع، ثمّ أسطع. فمن استعارَ الضوءَ في الظلام ليقرأ، يعرف تمامًا — الضوء لا ينادي أحدًا، الضوء يكتفي بأن يضيء، منتظرًا العينين اللتين تبحثان عنه.

ثم، حقًّا، صار ذاك البابُ موجودًا. يومَ تعليقِ اللافتة، سأل رفيقُ الدربِ الطويل: «وماذا سنُسمّيه؟»

«جينغ شيويه»، قلتَ، وكتبتَه أمامه بيدك: «جينغ» التي تعني الاحترام والتوقير. لا بدّ أولًا أن يوقّر القلبُ العلمَ، حتى تفتح الحروفُ أفواهها وتتكلّم.

في البداية، كان في الصف غالبًا طالبان أو ثلاثة. حفقتَ ذات يومٍ في تأمّل الكراسي الفارغة، لكنّك تذكّرت ذاك المصباحَ في نهاية الممرّ — لم يسأل قط: هل يمسُّ بنا عابرٌ؟ كان يكتفي بأن يضيء. فأعدتَ هرسَ الحبر كعادتك، وقرأتَ دروسك كعادتك، وقلتَ كلَّ حرفٍ بجدّيّته. وبمجرّد الوقت، صار الكرسيُّ يجلب كرسيًّا، كأنّ رملَ الساحل بعد انحسار المدّ يظهر نجومَه واحدًا بعد الآخر.

المدرسة ليست كبيرة، لكنّها تتّسع لكثيرٍ جدًّا. في دروس الخطّ يُهرَس الحبرُ بصوتٍ رقيق، كدودةِ القزّ تأكل الورقَ ليلًا. في دروس الشاي يُنتظر الماءُ، ودقائق غليانه تكفي لِتحكي قصةً عن سو دونغ بو: نُفي إلى هوانغجو، أفلسَ فقرًا، ففَلَحَ الأرضَ شرقَ المدينة وزرعَ القمحَ، ثم طبخ الأيامَ المُرَّة فجعلها شعرًا يسري ألفَ عام. في دروس القيثارة تُشدُّ الأوتارُ على مهل، مهلٍ حتى ينسحب صوتُ السيارات خارجَ النافذة ليصير مدًّا بعيدًا.

ماذا قال كونفوشيوس، وماذا رأى جوانغتسي في منامه، وكيف غنّى سو دونغ بو يمشي هادئًا تحت مطرٍ هابط — هذه الحكايات جريت في المدرسة يومًا بعد يوم، كالمطر على قبوةِ بيتٍ قديم: قَطْرة، قَطْرة، تتسرّب إلى قلوبٍ مختلفة الأعمار.

طالبو المدرسة كانوا غرائب. طفلٌ في الخامسة، يقبض على القلم كما يقبض على عُود شجرة، أولَ ما تعلّمه ليس الحرف بل السكون. عجوزٌ في السبعين يجلس في الصف الأول ومعه سماعةُ أذن، يقول إنّه لم يُتَح له التعلُّم في صباه، فجاء اليوم ليعوّض. عمرانٌ كعمرِ الجدِّ والحَفيد يجلسان في صفٍّ واحد: هذا يتعلّم كيف يقف حرفُ «الإنسان» ثابتًا بين سطره وضربته، وذلك يسأل لماذا مرَّ «قصيدة الجدار الأحمر» بالحزن ثم بلغ الاتساع. لم تشعر يومًا أنّ أحدهم تأخّر، ولا أنّ أحدهم استعجل — فتحت الضوء لا يوجد إنسانٌ فاتته الساعة.

جاء ذهبُيّ الشعر دافئًا من المطر، فدعوته أن يجلس وصببتَ له شايًا ساخنًا. أنصت إلى المحاضرة كاملة، وعند مغادرته جثى باحترامٍ مقلِّدًا من حوله، وقال بصِياغٍ متعثّرة: «شكرًا». جدارُ اللغات، أحيانًا، يذوب بهدوءٍ في بخارِ كوبٍ من الشاي. وإذا بتفهمُ شيئًا فشيئًا: إنّ هذه المدرسة لا يُضيء فيها أحدٌ الناسَ وحدَه، بل القادمون والذاهبون، كلٌّ في دوره، يصبّون الزيتَ في هذا المصباح.

أصعب ما يُنسى تلك الليلة. كنتَ تحكي كيف خرج سو دونغ بو من ظلِّ محاكمة «ووتاي»، مُنفىً إلى هوانغجو، تفرّقَ أصدقاؤه، وانقطعت رسائله، ومع ذلك غنّى تحت المطر: «عصا الخيزران وصندلٌ خفيفٌ تفوّقان الحصانَ — فمَن الذي يخاف؟» انتهت الجلسة، وغادر الناس، وبقي واحدٌ واقفًا في مكانه، مُحمرَّ العينين. سألته بهمسٍ ما به، فأجاب بعد صمتٍ طويل: «إذن يمكن للإنسان أن يعيش هكذا.»

في الأسبوع التالي، جاء. ثم صار فصلًا دراسيًّا، ثم عامًا، ثم عامًا بعد عام. حسبتَ على أصابعك: خمس عشرة سنة. يقول: إنّه لم يكن يتعلّم سو دونغ بو، كان يتعلّم — كما تعلّم سو دونغ بو — أن يستقبل حياتَه هو.

لم تقل شيئًا، وصفبتَ له الشاي فقط. بعضُ البذور إذا سقطت في القلب، تحتاج عشرَ سنواتٍ من العمر لتصير شجرةً ببطء.

في أزيد من عشر سنوات، فتحت المدرسة أكثرَ من ثلاثين مساقًا، كفتيلاتٍ كثيرةٍ تتفرّع من مصباحٍ واحد. من جاء يتعلّم الخطّ، ومن جاء يتعلّم القيثارة، ومن جاء لا يتعلّم شيئًا، يدخل ليعدم قليلًا، ليستنشئ رائحةَ الحبر. كلُّ ذلك حسنٌ. البابُ مفتوح، والمصباحُ مضاء، ومن جاء سيحمل معه ضوءَه الذي يحتاج.

تأخّر الليل، وتفرّق الطلاب واحدًا بعد الآخر. بقيت طفلةٌ تتمرّن الخطّ، إذ لم يتبقَّ لها سوى خطٍّ عموديٍّ أخير. رفعت رأسها، مُحرجةً قليلًا: «سيّدي، أليس وقتَ إطفاء الأنوار؟»

ابتسمت. قبل سنواتٍ عديدة، في ذلك العتمة بغرفة السكن على ضفاف نهر تشوجيانغ، صاح أحدهم أيضًا: «أُطفئت الأنوار!» ثم حضنتَ مقعدَك الصغير ونهضتَ تلاحقُ ضوءًا تسلّل من شقّ الدنيا.

«لا عجلة»، قلتَ. «المصباحُ مشتعلٌ من أجلك.»

خفضت الطفلةُ رأسها، وبخطٍّ يتبع خطًّا، أقامت ذلك الخطَّ العموديُّ مستقيمًا. أضاء الحبرُ ببطء تحت المصباح، كطريقٍ طويلٍ اكتملَ سيرُه للتوّ.

وقفتَ عند الباب، فإذا بتفهمُ فجأة: ذلك الضوء الذي لاحقته قبل ثلاثين سنة، كان يسيرَ طوال الوقت — عبر الممرّ، وعبر البحر، وعبر نصف عمرٍ — حتى استقرّ اليوم في مدرسةٍ صغيرةٍ في أرخبيل الجنوب، على طرفِ قلمِ طفلة.

المصباح مضاء. الحروفُ موجودة، والحكاية موجودة، والقادمون والذاهبون — كلُّهم في الضوء.

هذه القصة مُقتبسة من أحداثٍ حقيقية، وكلُّ الأسماء مستعارة.

مستوحى من قصة حقيقية

← السابق أعِد الجسر معك التالي → معبر الحروف