Heartstories
رجوع
|
في يديها نور

في يديها نور

قصير 2026-09-06 · 3 دقيقة قراءة

١

في بيت عائلة شن، لكل شيءٍ مكانه الذي لا يقبل التفاوض.

علبة الملح على الطوبة الثانية إلى يسار الموقد، والثقاب على بُعد ثلاثة أصابع عنها إلى اليمين، والغطاء الخشبي لجرة الماء معتمٌ دائمًا على حافة الجرة تاركًا شقًّا ضيقًا. مرّ أكثر من عشرين عامًا منذ مرض الأب، فانطفأ العالم أمامه كأنّ الكهرباء انقطعت عنه إلى الأبد. فأعاد بناء العالم بيديه: لا يصحّ أن تُصدر الطاولة صوتًا حين يُمسح سطحها، ولا يُعدّ الوعاء نظيفًا حتى ترنّ حافّتُه رنّةً قوّاقة، وحين يهبط السكين في التقطيع، كان الصوت الغليظ ينبئ باللفت، والصوت الرقيق ينبئ بالزنجبيل. أما الأم فقد وُلدت لا تُبصر، ولا تعرف ما معنى كلمة «ترى»، ومع ذلك تطوي الثياب والزوايا الأربع تقابل الزوايا الأربع، وكأنّ مسطرةً مرّت عليها.

نشأت شياو مان في هذا البيت. والكلمات التي لا تُدرَّس في الكتب، عرفتها كلّها مبكرًا: شكل الأصوات، ومواضع الروائح، ووزن الكفّين.

٢

في يوم اجتماع أولياء الأمور، امتلأت مؤخرة الفصل بالآباء والأمهات. بجوار كرسي شياو مان: فراغ.

كانت قد اعتادت. جدّتها التي تجاوزت السبعين توصلها إلى بوابة المدرسة ثم تتوقف، وتقف تحت شجرة الدلب تلوّح لها، وقد بلي سوارُ كمّها حتى لمع. وحين تعود من المدرسة، يكون الأب قد حضّر الطعام، يتقن درجة النضج بأنفه، من غير أن يخطئ ذرّة. وعلى المائدة يسألها: ماذا تعلّمتِ اليوم؟ تقول: الهندسة، الخطوط المساعدة. فيمدّ إصبعه ويرسم على سطح الطاولة، وكأنّه يرى ذلك الخط فعلًا.

«أراه»، يقول، «هنا». وينقر على صدغه.

٣

الجدة لا تعرف القراءة، وهي المسؤولة عن لصق شهادات تكريم شياو مان على الجدار.

وفي كل مرة تلصق واحدةً، تسأل: «هذه جديدة، أليس كذلك؟» ثم تصعد على المقعد الخشبي، وتتأمّلها طويلًا، فتلصقها معتدلةً أفقًا ورأسيةً. وما لبث جدار الطين أن امتلأ منها صفوفًا تتلألأ ذهبيةً. وحين يطرق أهل القرية الباب فيزيروهم، تقودهم الجدة إلى الجدار، وتؤشّر بيدها إلى ما عليه، تعدّدها واحدًا واحدًا: شهادة الطالبة النموذجية، الأولى في الإنشاء، الأولى في الرياضيات.

كان ذلك الجدار كتابَ الجدة في القراءة. لم تعرف حرفًا واحدًا، لكنها تحفظ موضع كل شهادة دون أن تخطئ.

٤

في الفصل الدراسي الثاني من السنة الثالثة الإعدادية، كلّف مدرّس اللغة الطلابَ بكتابة إنشاء، وتسليمه نسخةً إلكترونية تُرسَل إلى بريده.

لم يكن في بيت شياو مان حاسوب. فاستعرت من مدرّس مختبر الحاسوب جهازًا قديمًا لليلة واحدة، قد ابيضّت حروفُ عددٍ من مفاتيحه من كثرة الاستعمال. لم تكن تجيد الكتابة على لوحة المفاتيح، فكانت تنقر في البداية كدجاجةٍ تنقر الحبّ. لكنها حفظت ذلك الإنشاء عن ظهر قلب، فبحثت عن موضع كل حرف حرفًا حرفًا، وكلّما بحثت، حفظت أصابعُها وحدها من غير حاجة إلى عينين.

في العاشرة والنصف مساءً، قفزت على الشاشة رسالةُ نجاح الإرسال. كان المختبر ساكنًا، وجلست هناك، وفجأةً تذكّرت أباها يمشي في عتمة الليل ولا يعثر أبدًا. الظلام ليس مخيفًا، قال الأب ذات يوم؛ ما دامت اليد موجودة، يبقى الطريق موجودًا.

٥

في سنةٍ من السنوات، سألها زميلٌ في الفصل عابرًا: ماذا يعمل والداك؟

قالت: تجارة صغيرة. وكان صوتها خفيضًا، كأنّها تخشى أن تُفزع شيئًا.

في تلك الليلة عادت إلى البيت، وجلست إلى المائدة لا تتكلم. لكن الأب أدرك من نبرة وقوع عيدَي الطعام ما يجري، فلم يسأل، وإنما وضع كفّه فوق ظهر يدها. كان كفّه خشنًا كلحاء شجرة عتيقة، بغُرُّ أصابعه كبيرة، ومع ذلك كان ثابتًا راسخًا. «يا فتاتي»، قال، «ألّا ترى هذا العالم ليس أمرًا مخيفًا؛ المخيف الحقيقي أن لا يراك هذا العالم».

وأضافت الأم من جانبها: «أن تجعلي أيامك مشرقة، خيرٌ من كل شيء».

أطبقت شياو مان رأسها على طعامها، وسقطت دموعها في الوعاء، وكانت ساخنة.

٦

في الأيام التي حُدّدت فيها الرغبات الجامعية، دارت العائلة كلها حول استمارة واحدة؛ هم لا يرون تلك الاستمارة، كانت هي تقرأ، وهم يسمعون.

«الطب السريري، برنامج من ثماني سنوات». توقفت عند هذا الحدّ لحظة.

«واصلي القراءة»، قال الأب.

«في مدينة جيانغ تشنغ، دراسة متصلة من البكالوريوس إلى الدكتوراه»، قالت. «أريد أن أدرس الطب. أريد أن أدرس العيون».

ساد البيت صمتٌ بضع ثوانٍ. ثم بادت الأم ضاحكة، وكلّما ضحكت مسحت عينيها بمريولتها. أما الأب فبقي جالسًا، وأدلى بكلمة «أحسنتِ» على مهل، كمن يطرق مسمارًا في الجدار طرقًا ثابتًا محكمًا.

٧

وصل خطاب القبول في يوليو. ما إن نادى عامل التوصيل عند باب الدار، حتى نهضت العائلة كلّها.

فتحته، فقرأته كلمةً كلمة. وحين فرغت، مدّ الأب يده: «دعيني ألمسه». كان اسم الجامعة بارزًا بحبرٍ ذهبي، فجال تبعيد إصبعه عبر السطور سطرًا سطرًا، على نحو بطيء للغاية، كأنّه يقرأ برايل من نوعٍ آخر. وأمسكت الأم الخطاب فألصقته بوجهها؛ الورق أملسٌ بارد، ودموعها ساخنة.

«لقد أنجب بيتُنا طبيبة»، قالت.

٨

لاحقًا سألها أحدهم: بيت كهذا، أليس فيه مُرّ؟

قالت: نعم، مُرّ. لكنها لا تحبّ النهاية التي تلقاها هذا الحرف؛ فهو لا ينبغي أن يصير ندبةً، بل ينبغي أن يكون وسامًا. والوسام لا يُعلَّق حيث يراه الناس، بل يُعلَّق في القلب، فيضغط عليك قليلًا وأنت تسير، فيذكّرك بكم قطعت.

في سبتمبر ستغادر إلى جيانغ تشنغ. حزوتها طوتها الأم، الزوايا الأربع تقابل الزوايا الأربع. وقبل أن تعبر الباب، سحب الأب يدها ووضعها في كفّه، وقبض عليها قبضة، ولم ينطق.

كانت تعرف ماذا يعني ذلك.

كان في يديها نور. وفي يومٍ ما من الأيام الآتية، ستتمدّد يدٌ أخرى من الظلام، وستمسكها هي بكفٍّ

مستوحى من قصة حقيقية

التالي → مَهَدٌ فوق الماء