Heartstories
رجوع
|
حامل النار

حامل النار

قصير 2026-09-10 · 4 دقيقة قراءة

مهما طال العمر، لا بد للإنسان من دَين يعترف به.

هذه الكلمة لم يقلها شين شوي شينغ لأحد قط. وفي عام وِيْمِنغ -عيد شِهادة الأموات- من عمره ثلاثة وسبعين عاماً، جلس متربعاً على سدّ النهر ينظر إلى الماء. وكان سطح الماء ساكناً بهدوء تجعل المرء لا يصدّق أنه يوماً أطفأ لهيباً محتدماً. أمّا دَينه، فلم يُدوَّن في أي دفتر حساب، بل دُوِّن في قطعة خشب عمرها أكثر من مئة عام.

تلك كانت مضخة الماء الخاصة بآل شين.

منذ عهد أسرة تشينغ وآل شين يطفئون الحرائق. في تلك الأيام لم يكن في البلدة فيلق إطفاء، فإذا اشتعل منزلٌ ما، دُقّت الجَنكات. وبمجرد أن يرتفع صوت الجَنكة، حمل رجال آل شين مضختهم ومشوا نحو النار. وحين ينتهي الأمر، قدّم أصحاب البيت شايَاً ساخناً ودسّوا مظاريف حمراء، فلوّح الرجال بأيديهم قائلين: «إذا أصاب جارَك بلاء، بادرتَ إلى نصرته، ولا نأخذ درهماً واحداً.»

هذه الجملة حفظها شين شوي شينغ منذ كان في الخامسة من عمره. وفي تلك السنة ذاتها، مرض بالحمّى الشديدة، وعندما شفي، بقيت ساقاه معوجّتين، صارت مشيته مُنحدرَةً نحو الهاوية ثم صاعدةً منها.

مسح جده رأسه وقال: «ليست ساقاك المعوجّة ما يهم؛ ما يهم ألّا تعوجّ عزيمتك.»

فهم وهو لا يفهم.

أمّا الفهم الحقيقي، فجاء في السادسة والعشرين. حين مرّر والده رأسَ المضخة النحاسي إلى يده ولم يقل إلا كلمة واحدة: «من الآن فصاعداً، إنه لك.»

لم يكن الرأس ثقيلاً، نحاسٌ مصقول يلمع. وفي داخله حين تسليمه، شدّ الوالد قلبه خوفاً — فهذا الشيء أنقذ نصف البلدة، وأحرق طبقة من جلده ذات مرة. لكنه لم يذكر ذلك. رجال آل شين لا يذكرون هذا.

تلقّى شين شوي شينغ الرأس، وشعر في كفّه بشيء أثقل من البيوت والأراضي كلها.

رقم هاتف شين شوي شينغ «مسجَّل» في مخفر الشرطة وفيلق الإطفاء.

إذا رنّ الجرس في جوف الليل، التقط معطفه وخرج. إذا خذلت الساقان، ركب الدراجة؛ وحين عجز عن الركوب، قاد ابنه السيارة وجلس هو في المقعد الأمامي يوجّه. أربعون عاماً وما مضى، لم يغادر إلى مكان بعيد قط. دعاه الأقارب ليمضي إليهم ليقيم أياماً، فقال: لا أستطيع المغادرة.

«لا أستطيع المغادرة» ليست عجزاً عن المشي؛ بل أن النار لا تنتظر أحداً.

عدّته يشتريه بنفسه. وحين عجز عن حمل المضخة القديمة، اشترى مضخة مياه وأنابيب، يضيف قطعةً فوق قطعة. تأسّفت له زوجته على المال، فقال: «الإنفاق في النار أنفع من الإنفاق في الدواء.»

أهل البلدة يلقّبونه من خلف ظهره بـ«جيش آل شين»، يريدون بذلك أهله وأولاده كلهم. ومنهم من يسمّيه أحمق. ولا يعرف من يسمّيه كذلك أنه إذا نام في الليل، كانت نصف أذنه منصبةً إلى الهاتف.

في اليوم الذي انفجرت فيه تلك القارورة الغازية، كان المطر خفيفاً.

اشتعلت المطبخ أولاً، وتسلّق اللهب غطاء الشفط صاعداً، وامتلأ السلّم بدخان أسود. تمّ إخلاء الناس، لكن القارورة كانت تلهب قرب الموقد حتى احمرّت، وأزيز الصمام لا يفتر.

سيارات الإطفاء ما تزال في الطريق.

أن تقترب يعني أن تسلّم حياتك لتلك اللمبة القادمة. وفي حين تراجع الجميع إلى الخلف، مضى شين شوي شينغ قدماً.

لم يعرف هو نفسه بعد ذلك عمّا كان يفكر فيه لحظتها. لعلّه فكّر أنّ القارورة إذا انفجرت، ذهب نصف الشارع. ونصف الشارع، كم من بيتٍ فيه؟

حمل القارورة المحمّرة. وتسلّل الحرّ عبر الجاكيت المبلّل إلى لحمه، وهو يُقيّد خطوةً خطوة نحو النهر. الساق التي أُصيبت في سنة خامسته، كانت هي ذاتها تحمله دون توقف. وحين بلغ حافة النهر، ألقى نفسه بالقارورة إلى الماء، فغرق الرجل إلى القاع، ومات اللهب في قاع الماء.

صرّع الناس على الشاطئ اسمه. وابنه واقف في الزحام، مفاصله البيضاء من شدة القبض — كان يعرف أنه لا يستطيع أن يمنعه، ولم يمنعه.

وحين وقف شين شوي شينغ من النهر، كان صدره فارغاً، والنار قد زالت. في تلك الليلة كان يتوهّج حمرَ المعدن، وانهمرت دموع زوجته. فقال: «لماذا تبكين؟ القارورة أطاعتني.»

في الحقيقة، القارورة أطاعته — إذا أرادت أن تنفجر، فلتنفجر بعيداً عن الناس. هذا منطقٌ روايه آل شين مع النار أكثر من مئة عام، حتى صدق اليوم.

حرائق أنقذها شين شوي شينغ، مما يمكن حصره بالأرقام، أكثر من ثلاثة آلاف حريق.

الأرقام أحصاها غيره. أما هو فلا يتذكر، ولا يتذكر إلا طعم كل نار: نار الخشب، ونار الديزل، ونار الأرزّ — كلٌّ منها طعمه مختلف. ويتذكر أيضاً أنه في كل مرة بعد الإطفاء، حين يدسّ الناس إليه نقوداً وسيجارات، يلوّح بيديه: «لا نأخذ درهماً واحداً.»

هذه الجملة ردّدها خمسين عاماً. وأهل البلدة مروا به من «شين الصغير» إلى «شين العجوز» إلى «الجدّ شين».

قبل سنوات، اشتعل سوبرمارنت شرق البلدة، وبعد الإطفاء لحق به صاحبه عبر شارعين يريد أن يعطيه مالاً. فصاح وهو راكب سيارته وقد أدبر: «إن أردت أن تشكرني، فجهّز طفايات الحريق كاملة، وعلّم عمالك كيف يستعملونها.»

في سنة ربعه السبعين، تبرّع بمضخة الماء العتيقة الموروثة من عهد تشينغ إلى المقاطعة. وسأله أحدهم أما يأسف على التخلي عنها، فقال: «إذا بقيت مقفلة في صندوق فهي ميتة؛ أما إذا دخلت المتحف فرآها عشرات آلاف الناس في السنة، فهي حيّة.»

الذين يرونها يرون خشباً ونحاساً. وأما شين شوي شينغ فيعرف أن عليها شيئاً آخر، يراه كلُّ إنسان بقلبه كما يراه.

في عيد صِهادة الأموات هذا العام، عاد الحفيد وجلس متربعاً إلى جانبه.

يدرس الحفيد الهندسة الميكانيكية في الغربة. سأله العجوز: «ما تدرسه، هل يمكن أن تطوّر به عدّة الإطفاء؟»

قال الحفيد: «نعم. سأرسم مخطط المضخة، والسنة القادمة أُصنع لك واحدة خفيفة.» ونظر إلى ذيل بنطال جده، ففهم فجأة لماذا لا يُظهر تلك الساق أبداً، ولماذا يجلس الجدّ دائماً على حافة النهر هذه.

أومأ شين شوي شينغ رأسه ولم يُجب. أطفأ سيجارته ونظر إلى سطح النهر. الماء هو ذاته الماء الذي غمس النار يوماً وأطفأها، واليوم هادئ ساكت.

تذكّر يوم سلّمه والده رأس المضخة؛ كان يومها مثل هذا أيضاً، الأب وابنه لا يتكلمان، ينظران إلى النهر.

رأس المضخة اليوم معلّق على جدار غرفة الضيوف، نحاسٌ مصقول يلمع. ويوماً ما ستنقلب إلى يد الحفيد؛ لن يسأل، ولن يستعجل. القاعدة باقية في مكانها، طويلة كأمد هذا النهر:

«إذا أصاب جارُك بلاء، بادرتَ إلى نصرته، ولا تأخذ درهماً واحداً.»

النار ستعود. وعندما تعود، سيكون في بيت آل شين من يصل أولاً.

في هذا الأمر، لا قلق له فية قط.

(انتهى)

هذه القصة مستوحاة من وقائع حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.

مستوحى من قصة حقيقية

← السابق انفتح الجبل التالي → المار الطويل سلك طريقه إلى السماء