انفتح الجبل
قبل أن يُضيء الفجر، كان أول مطرقة في ذلك اليوم تسقط على صخرة الجبل السوداء.
في البداية ظننت أن أحدهم يفتح الجبل لاستخراج الحجارة. ثم عرفت لاحقًا أن مستخرجي الحجارة كثيرون، أما من ينحت الجبل، فكان واحدًا فقط.
أول مرة صعدت التل لمشاهدة الحدث، كنت في العاشرة من عمري. كان يرفع مطرقته ضد جدار الصخر، وقميصه مبلل حتى ابتُهّ ولصق بظهرة. الجبل عالٍ، والمكان الذي كان مجثيًا فيه ضيّق، ضيّق كحبة رمل.
«عمّ لاقو، ماذا تفعل؟»
«أنحت الجبل.»
«ولماذا تنحت الجبل؟»
«إذا نُحت وانفتح، صار فيه طريق.»
«تمشي به إلى السوق؟»
«إلى المستشفى.» لم يرفع رأسه، والمطرقة ترتفع وتنزل. «في تلك المرة، لم تصل عمّة قاوش غوليا إلى المستشفى.»
لم أفهم، فذهبت في المساء إلى جدتي. كانت تُخبز الخبز على النار، وفكرت طويلًا، ثم قالت:
«كانت عمّتك قاوش غوليا تعبر الجبل لتصل إليه طعامه، فانزلقت قدمها وتدحرجت إلى أسفل وانكسرت ساقها. لا يوجد في هذا الأقاليار إلا عيادة واحدة، والطريق الملفوف حول الجبل خمسون كيلومترًا، كانت عربة الثور تنطلق قبل الفجر ولا تصل إلا مع خروج النجوم. في منتصف الطريق قالت إنها تشعر بالبرد، وظلت تشد كمّ لاقو، لم تشدّه حتى المكان، حتى سقطت يدُها.»
وميض لهب الموقد. ثم قالت جدتي: «وفي آخر لحظة، كانت عيناها ما زالتا مفتوحتين.»
وفي صباح اليوم التالي، رنّ صوت المطرقة على الجبل مجددًا. في وقت أبكر من اليوم السابق.
كان أهل القرية يمرّون جيئةً وذهابًا أسفل التل، منهم من يهز رأسه، ومنهم من يضحك.
«يا لاقو، هذا صخر! أتحسبه خبزًا تأكله متى شئت؟»
استقام لاقو وامتحن جبينه: «آكله خبزًا. قضمة كل يوم، ولن أصدّق أن الجبل أصلب من الإنسان.»
باع الكبش الوحيد في بيته، واشترى بمثمنه مطرقةً وإزميلًا وعتلة حديدية. نصحه بعضهم ألا يبيع الكبش بل يشتري به قمحًا. قال: «القمح يُشبع البطن، وهذا يُشبع هذا المكان.» وأشار إلى صدره.
كان يعمل في الحقل صباحًا، ويرتقي الجبل عند غروب الشمس. كنت كثيرًا ما أجلس على التل أشاهده. الإزميل ينقر على الصخرة، نقرةً تلو نقرة، كالنقار الخشب على الشجرة. وفي نهاية اليوم، لم يخرج منه إلا حفرة بمقدار قاع إناء.
«عمّ لاقو، كم يومًا باقٍ؟»
«بعد غد.»
«ومتى يكون بعد غد؟»
ضحك: «ما دمتُ حيًّا، سأعمل. وإذا رحلت، يبقى الطريق. ومن الآن فصاعدًا، لن يفوّت أحباءُ غيرنا ذلك الطريق بعد.»
وفي السنة التي أصبح فيها عمري اثنتي عشرة، ظهر تحت الحفرة خطّ ضيق.
وفي السنة الخامسة عشرة، جاء رجال المحافظة لقياس الأرض. هزّ الرجل ذو القبعة المخططات قائلًا: «هذه المنطقة غير مرخّصة، لا يجوز أن تلمسها.»
«فسرّعوا الترخيص.» حشر لاقو الخبز في فمه. «اعتمدوا أنتم ما تريدون، وسأنحّ أنا ما أريد. حين يصلكم الورق، سيكون قد نصف طريقي.»
حدّق فيه الرجل طويلًا، وعند رحيله، وضع قارورة الماء على الصخرة.
وفي السنة الثامنة عشرة، ارتفعت حرارة طفل عائلة كاوند، وتشنّج حتى صارت عيناه تتقلبان. الذهاب إلى العيادة حول الجبل يستغرق يومًا كاملًا، أما الطريق المختصر، فيتطلب عبور ذاك الجرف الأسود المنحوت نصفه، وزلّة قدم واحدة تعني الهاوية.
«سِيروا حيث نحتُّ.» رفع لاقو الطفل على ظهره وانطلق. «ثبّتوا أقدامكم، لن نموت.»
مضى في المقدمة، وسار من خلفه على آثاره. مشوار يوم كامل، قطعوه قبل طلوع الفجر. قال الطبيب: لو تأخروا نصف يوم، لما نجا هذا الطفل.
أراد كاوند أن يسجد لاقو شكرًا، فرفعه بيده فورًا: «لا تشكرني. اشكرها.» وأومأ برأسه نحو قمة الجرف. «هي التي قادتني إلى هنا.»
ومنذ ذلك الحين، كثر الناس على التل. منهم من يحضر الماء، ومنهم من يحضر الخبز، وكان الشباب يأتون بعد العمل في الحقول ليساعدوه في تكسير الصخور. لم يبق صوت المطرقة واحدًا، بل صار اثنين، وأزواجًا متزاوجة.
وفي السنة التي تزوّجت فيها، انفتح الجبل.
كان ذلك في الخريف، وعند فم الممر وقف الناس، والريح تهبّ عبر النفق صديحةً، كأنها أنفاس الجبل. الطريق الذي كان يلتف حول الجبل خمسين كيلومترًا، صار بعد النحت خمسة عشر كيلومترًا فقط.
أول من عبر فم الممر كان أطفال المدرسة. كانوا يركضون في صفوف عبر النفق، حقائبهم تتراقص، وحين يصرخ أحدهم، يتدحرج الصدى بين الصخور.
وقف لاقو على جانب الطريق، ويداه متدليّتان إلى جانبيه. يدان خاليتان من القرون، مفاصلهما خشنة متشوّهة، وفي شقوق القرون غبارُ صخرٍ لا تغسله المياه.
قال له أحدهم: «يا لاقو، لقد نحتَ نَفَذًا في أيام هذه الحياة المرة.»
هزّ رأسه: «لستُ أنا من نحتَها.» ونظر إلى شريحة السماء الظاهرة من فم الممر. «هي التي قادتني، خطوةً خطوة.»
ثم صُفّت الحصى على الطريق، وبُعدها وُضع الإسفلت، وصارت السيارات تعبر. سمعت أن قصته حُوّلت إلى فيلم، وجاء من أماكن أبعد أناس أكثر. لم يفهم تلك الأمور، ولم يكن يعلو على تكرار قول: «الطريق ليُسلكه الناس. نحت الجبل ليس إلا ليُسلك.»
عاش بضع سنوات أخرى، وفي صباحٍ من الأيام لم يستيقظ. حمله أهل القرية كلهم، وعبروا به الطريق الذي نحته، ودفنوه عند سفح الجبل. حين مرّ النعش بفم الممر، وقف أطفال المدرسة على جانبي الطريق، ولم يتكلم أحد.
يوم الدفن، أحضر طفلُ عائلة كاوند الذي تباعدت حرارته حجرًا ووضعه عند قبره. ثم صار كل عابرٍ يضع حجرًا. فتكدّست الأحجار، حتى صارت جبلًا صغيرًا.
اليوم تجاوزتُ الخمسين. حفيدتي تسلك ذلك الطريق إلى مدرستها، وتصل بها السيارة في عشرين دقيقة.
وذات يوم عادت من المدرسة وسألتني: «جدّي، من الذي نحت هذا الجبل؟»
«رجل واحد،» قلت. «بمطرقة واحدة، نحّت اثنين وعشرين عامًا.»
لم تصدّق كثيرًا، فركضت لتنظر إلى أسفل جدار الصخر. آثار الإزميل ما زالت هناك، خطًّا بجوار خط، متقاربةً متلاصقة، كخطوط الكف، كالأيام، كإنسانٍ حفر عمرَه كلَّه في الصخر.
عادت وقالت: «جدّي، يبدو أن الجبل يبتسم.»
أجل، صحيح. انفتح الجبل، وصار الطريق هناك، ولم يعد من يسلكه مستقبلًا سيفوّت طريق النجاة.
مستوحى من قصة حقيقية