الردّ
أُرسلها أم لا؟
طرح أناند هذا السؤال على نفسه ألف مرة. وبعد الألف مرة، عادت الرسالة إلى العُلبة المعدنية، علبة بسكويت مغلقة بالمِفتاح، مدسوسة تحت السرير. لم تكن فيها نقود، بل رسائل فقط، كلها موجّهة إلى امرأة واحدة.
كُتبت الرسالة الأولى في مساء ذلك اليوم قبل سنوات طويلة. كان أناند مُلتصقًا بالأرض خلف البيت حين رأى زوجته ميرا تجثو عند المَغسلة، تغسل بِضَع قِطَع من القماش القديم قد باهت من كثرة الغسل. كان يعصرها ثم يخبّئها في أكنك زاوية في الحائط، كما يُخبَّأ دليل جريمة.
«استعملي الفوط الصحية، إنها خمسة وخمسون روبية فقط»، قال.
هزّت ميرا رأسها. خمسة وخمسون روبية هي قوت العائلة ثلاثة أيام. هذه الأشياء الصغيرة لا تستطيع تسعة من كل عشر نساء في الهند تحمّل ثمنها؛ بعضهن تركن المدرسة من أجلها، وبعضهن أصبن بالمرض، وأكثر النساء، مثل أم ميرا، لم يذكّرنها قط أمام أحد طوال حياتهن.
في تلك الليلة لم ينم أناند. ترك المدرسة وهو في الرابعة عشرة، وأصلح الآلات واشتغل بأي عمل شاق، وذاق كل مرّارة. قال في نفسه: سأصنع واحدة رخيصة. ثم دفع ثمن هذه الجملة أربع سنوات ونصفًا، وأكثر من ألف محاولة فاشلة.
الرسالة الأولى
ميرا:
أهل القرية يسمّونني الآن «المنحرف». ربطتُ بطنًا زائفًا حول خصرّي، وعدت أعمل في الحقل، وأركب الدراجة، وألعب الكرة، لأجرّب إن كان الشيء يسيل أم لا. رآني الناس فقالوا: رجل يفعل مثل هذا، أعارَ وجوه آبائه وأجداده.
يوم رحلت أمي، غسلت كل ثيابي ووطّتها ووضعتها على السرير. وقفت عند الباب طويلًا. لقد هرمت، ولم تعد قادرة على حمل أنظار القرية كلها. أعلم أنها لم تردّني.
وأنتِ رحلتِ أيضًا.
لا ألومكم. لا بد أن يحمل أحدٌ العار أولًا.
أناند
لم يكن أحدٌ ممّن شتموه يريد إيذاءه. لم يشهدوا، آباؤهم وأجدادهم، رجلًا يفعل شيئًا كهذا. الخوف، أحيانًا، يشبه الخجل كثيرًا.
الرسالة الثانية
ميرا:
انتقلت إلى جوار كلية الطب لأحضر محاضراتها متسللًا. طردها الأستاذ في البداية، ثم علّمني. فكّكُت الفوط الصحية المستوردة طبقةً طبقة، كما يُهَدم جدار، حتى انتهيت إلى أنّ جوهرها مجرد ألياف نباتية.
الجدار ليس جدارًا، إنه من ورق. الغلاء ليس في الشيء نفسه؛ الغلاء في أنه لا أحد يرضى أن يصنع آلات للفقراء.
اليوم فشلت للمرة المئة والسابعة عشرة. والعجيب أنني، قبل أن تكتمل الآلة، أتقنتُ كل فنون صناعتها.
— أناند
في تلك السنين نام في محطات القطار، وقضم الخبز البارد. أغلقت عليه القرية أبوابها، وأغلق العالم بابه في وجهه، فعاد إلى الدراسة ذاتيًا خلف الباب.
الرسالة الثالثة
ميرا:
نجحنا.
آلة بحجم طاولة، تصنع الشيء الواحد بألفي بيزة تقريبًا. خطوط الإنتاج المستوردة تكلّف الملايين، وأنتجتها أنا بأقل من ألف دولار. المخططات المُفسخة تراكمت تحت السرير حتى بلغت نصف قامتي.
أول من جاء للتعلّم كانت جارتي الكبيرة. ضغطت الدواسة ويدها ترتجف بلا توقف. حين دArnت الآلة انفجرت باكية، وقالت: عشتُ عمرًا كاملًا، وما لم يكن بين يديّ شيء صُنع «بيديّ أنا».
اليوم جاء رجال من شركة يريدون شراء التقنية بالكامل، بمالٍ لا أستطيع كسبه في عمرٍ عدة أجيال.
رفضت. هل تضحكين عليّ وتقولين إنني أحمق؟
أناند
الرسالة الرابعة
ميرا:
أعلنتُ التقنية للجميع، بلا مُقابل ولا روبية واحدة. دخلت الآلات أكثر من ألف قرية، تصنع الأخوات بنفسهنّ وتبيع بأنفسهنّ، ويدفّعن من كسبهنّ مصاريف دراسة بناتهنّ. كتبتِنا فتاة صغيرة تقول إنها لم تعد تختبئ في البيت، وأنها عادت إلى مدرستها.
والضريبة على هذه الأشياء ألغتها الدولة أيضًا. أدرجوني في قائمة ما، وصوّروا عني فيلمًا، وأمي في القاعة تمسك بيدي، ولا تنطق حتى انتهى العرض. لكن هذا كله لا يهم.
المهم هو هذه الجملة، أكتبها خشية أن أنساها يومًا: الفقر لا يقتل أحدًا؛ ما يقتل هو الجهل والعزلة.
كتبتُ رسائل كثيرة، وما أرسلتُ واحدة. ليس خوفًا من الإرسال، بل كنت أنتظر يومًا يليق بها.
الآن، القرية أصبحت مضاءة. إن شئتِ يومًا أن تعودي لترينا، فالطريق مفتوح.
أناند
لم يعلم أحد كم قصاصة صحفية عن أناند جمعتها ميرا في بيت أهلها تلك السنين. كانت تقتطعها واحدةً واحدة، وتضعها في قاع صندوق العروس الخشبي، وإذا سألها أحد قالت جملة واحدة: «إنه لم يفعل شيئًا سيئًا».
الرسالة الأخيرة لم يقفلها أناند في العلبة المعدنية. ربط العلبة كلها جيدًا وأرسلها.
بعد أيام، في صباحٍ ما، وجد على باب الدار رسالة. الخط الذي في الغلاف عرفه منذ نصف عمره، حروفه خفيفة، كأن صاحبتها تخاف أن تكسر شيئًا:
«أناند:
وصلتني الرسائل كلها، واحدةً واحدة، كأنني أسمعك تُتمّ ما في قلبك من كلام كل هذه السنين.
أمي عادت الشهر الماضي، وما تزال كل يوم في الدار تقلّب مخططاتك.
القدر غسلته. انتظرني، فإني قادمة.
ميرا»
قرأها ثلاث مرات، ثم وضعها في جيب، وشكّم أكمام قميصه ودخل المطبخ. غسل القدر وأوقد النار على طريقة ميرا. وفكّر: لو كان الطعام جاهزًا حين تعود، يا لَه من شيء.
سقط ضوء الصباح في المطبخ، وعلى حافة القدر التي لمّاها، وعلى الآلات الدوّارة في القرية، واحدةً واحدة. ذلك الشيء الذي أجبر النساء يومًا على خفض الرؤوس والاختباء والمرض وترك المدرسة، يصنعه اليوم من أيدي النساء أنفسهنّ قطعةً قطعة، كأنه قناديل تُضاء في بيوت الطين، واحدةً تلو الأخرى.
وفي وقت لاحق، أحصى أحدهم أن هذه الآلات والحِرَف قد فكّت الأغلال عن حياة ستمئة مليون امرأة. وحيث بدأ كل هذا لم يكن إلا شريط قماشٍ باهت من كثرة الغسل، وليلةٍ لم يكن فيها رجل مستعدًا لأن يدير كتفه.
مبنيٌّ هذا القصص على أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية