اكتب خانةً تلو الأخرى
كان ورق الرسائل من النوع القديم ذي المربعات، مربعات خضراء، ثلاثمئة مربع في الصفحة، حرفٌ في كل مربع، مصفوفةً بانتظام كصفٍّ من الناس ينتظرون القطار على الرصيف.
هذه الرسالة اليوم مطبوعة تحت الزجاج في غرفة تنظيم خط الحافلات رقم ستة. لم يكن تحت الزجاج سوى جدول المناوبات وبضعة أرقام هواتف، فلما أُضيفت صفحة الورق تلك، صار للغرفة وزنٌ مختلف. كل من يمرّ يتوقف ليلقي نظرة، ثم لا يقول شيئًا يُذكر، يعيد ضغط الزجاج ويلتفت ليُقلع بحافلته.
الحكاية بدأت ظهيرة الخامس عشر من آب.
في الثانية عشرة وأربعين دقيقة، أوقف باي تشون شيا حافلة الخط السادس بتوازٍ تام عند موطة شارع الشعب. وقبل أن تفتح الباب، ألقت نظرة معتادة نحو الرصيف: هناك عجوز يتكئ على عصا، يحمل في ذراعه كيسًا قماشيًا ابيضّه الغسل كثيرًا، يتقدّم نحو باب الحافلة خطوةً صغيرة تلو الأخرى. كان ظهر العجوز منحنيًا منحنىً شديدًا، مع كل خطوة تهبط العصا أولًا ثم يتبعها الجسد.
تحرّك في قلب باي تشون شيا وترٌ حسّاس. كنت تقود الحافلة قرابة ست سنوات، رأت الكثيرين يركضون ويتزاحمون أمام أبواب الحافلات، ورأت أمثال هذا الرجل: لا يركض ولا يتزاحم، لكنه بطيء، بطيء حتى صارت كل درجة منها حاجزًا.
شدّت مكابح اليد، فتحت الباب، ونزلت درجتين في خطوة.
“يا عمّ، أعطني الحقيبة.” مدّت يدها وأخذت الكيس القماشي، وكان ثقيلًا، هبط بثقل في معصمها. ووضعت يدها الأخرى خلف ذراع العجوز حمايةً خفيفة، لا تلمسه، بل تحرسه من التمايل. درجتان: رفع العجوز قدمه، ووطئها، واستقرّ، عندها صعدت هي وراءه، ووضعت الكيس على المقعد الفارغ بجواره، وراقبته وهو يرتّب عصاه ويستند بها إلى ساقه، ثم عادت إلى مقعد السائق.
في المرآة الخلفية، جلس العجوز في الصف الثالث قرب النافذة، يعانق صدره شيئًا كأنه يخشى أن يُمسّ. وعند كل موطة نظرت إليه في المرآة؛ ثمّ في الم الموطة التالية نظرت مجددًا. ابتسم لها العجوز في المرآة، فابتسمت هي أيضًا، وانحنت الحافلة عند منعطف.
كان اسم العجوز قاو بو يون، في الثالثة والثمانين، وكان قبل تقاعده مدرّس لغة صينية في مدرسة ابتدائية. في ذلك اليوم زار صديقًا قديمًا غربي المدينة، فأصرّ الصديق على أن يحمل معه كيسًا من عِنَب الحَبِّ (الزُّعُور) من شجرته، قائلًا: جرّبها لزوجتك. وكانت الثمار لا تزال تحتفظ بدفء شمس النهار. كان قلقًا في البدء ألّا يستطيع الصعود بالحقيبة، فلما استقرّ في مقعده هدأت همّته. نظر عبر صفّين من المقاعد إلى ظهر السائقة من الأمام، وقال في نفسه: ما أسرع يدا هذه الفتاة، سرعةٌ تبعث الطمأنينة في القلب.
عند الموطّعة، واستقرّت الحافلة، قامت باي تشون شيا أيضًا. نزلت قبله ووقفت على حافة الرصيف، حاضنةً يدها في الهواء للاستعانة، وراقبته ينزل الدرجات واحدةً واحدة بثبات، حتى استند إلى عصاه وسار مسافة قصيرة، ثم قالت: “يا عمّ، امشِ على مهلك.” ثم عادت إلى الحافلة، أغلقت الباب، وانطلقت.
لم يمشِ قاو بو يون إلى بيته فورًا. وقف مكانه، ينظر إلى حافلة الخط السادس تذوب في سيَل السيارات عند الظهيرة، ونظر إليها مدة طويلة.
في ليلته ذاته، أخرج ورق المربعات والقلم الفولاذي، وارتدى نظارته للقراءة، وجلس تحت مصباح المكتب. كتب مسودة الرسالة مرتين: المسودة الأولى وجدها طويلةً ممتدة، فمزّقها. وفي الثانية كتب ببطء، حرفٌ في كل مربع، وخطه يرتجف قليلًا لكن بناء الحروف مستقيم، بيد من علّم الكتابة عمرًا كاملًا. كتب في الرسالة ما جرى في ظهيرة ذلك اليوم، وكتب عبارة “امشِ على مهلك”، وذكر في الختام العاملَ لي في غرفة التنظيم خصيصًا: في الشهر الماضي نسي حقيبته في الحافلة، فدوّن لي رقم الحافلة، وفي اليوم التالي أوصلها إليه كما كانت عبر أحد المارّة. وكان السطر الأخير في الرسالة: أتمنى لجميع عاملَي خط السادس السلامة والأمان في كل حين.
في الحادي والعشرين من آب، مشى قاو بو يون على عصاه، وركب حافلة ثم حافلة، وسار مسافةً على قدميه، حتى وصل الرسالة بنفسه إلى شركة الحافلات. عرضت فتاة الاستقبال أن توصلها عنه، فأبى، وقال: الرسالة بيدّي أنا فقط، عندها تكون لها قيمتها.
كانت باي تشون شيا في إجازتها ذلك اليوم، فنادتها الهاتفية لتنزل. أخذت صفحة الورق تلك، فإذا الحروف في مربعاتها الخضراء تنظر إليها حرفًا حرفًا. قالت لاحقًا لزميلاتها: “كان بمقدور العمّ أن يتصل هاتفيًا، أو أن يرسلها مع أحد، لكنه أصرّ على أن يقوم بهذه الرحلة بنفسه. هذا الودّ ثقيل جدًا، لا أقدر على حمله، لا أمكنني إلا حفظه في ذاكرتي.”
الحقيقة، تلك الخطوة نزولًا من الحافلة، ونظرات المرآة الخلفية، واليد الحاضنة عند الرصيف، لم تكن في نظرها شيئًا يُذكر. ست سنوات، كلما صعد إلى حافلتها عجوزٌ بعصا أو امرأة تحمل طفلًا أو حاملٌ، فعلت المثل، تمامًا كفحص الإطارات والمكابح قبل الانطلاق؛ ليست إلا عادة. والعادات لا يكتب عنها أحد في الرسائل، لكنها هذه المرة كُتبت فجأة، خانةً خانة.
أخذت الشركة نسخةً من الرسالة وعلّقتها على جدار غرفة الاستراحة، أمّا الأصل فوُضي تحت زجاج غرفة التنظيم.
اشترت باي تشون شيا من مكتبة القرطاسية دفترًا مطابقًا من ورق المربعات ذاته.
في المساء، بعد أن أنهت دوامها، كتبت الرد تحت الضوء. كتبت سطرين، فوجدتها أشبه ببيان مدح، فمزّقتها؛ وكتبت من جديد، فوجدتها مهذبة إلى حدّ البعد، فمزّقتها. وفي المحاولة الثالثة كتبت ببساطة: كان الزُّعُور حلوًا، فتناوله أهل بيتي جميعًا؛ أمّضِ على مهلك، وسأراك عند الموطّعة فأنتظر دقيقة إضافية؛ خط السادس موجود كل يوم، وأنا موجودة كل يوم أيضًا.
لما انتهت من الرسالة، عدّت: صفحة واحدة، وما زال في الورقة بقية.
في صباح من أوائل أيلول، عند موطة شارع الشعب، جاء قاو بو يون ليركب خط السادس من جديد. العصا ذاتها، والكيس القماشي ذاته. فُتح الباب، فأخرجت باي تشون شيا رأسها وناولته ظرفًا: “يا عمّ، هذا لك.” تحيّر العجوز لحظة، ثم أدرك، فاستند إلى عصاه بيد، وألصق الظرف بصدره باليد الأخرى، كتلميذ صغير يحفظ شهادة تفوّق أعطاه إياها مدرّسه.
انطلقت الحافلة. وفي المرآة الخلفية، وقف العجوز على الرصيف يفتح الظرف على مهل.
كانت صفحة الورق أيضًا بمربعاتها الخضراء، حرفٌ في كل مربع، مصفوفةً بانتظام، كالرصيف: موطة تلو موطة، تمتد نحو البعيد.
(هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية، والأسماء المستعارة.)
مستوحى من قصة حقيقية