Heartstories
رجوع
|
الدفتر الدافئ

الدفتر الدافئ

قصير 2026-09-11 · 4 دقيقة قراءة

هناك حسابٌ تحفظه منذ عشر سنوات، ولا تجرؤ على تدوينه حتى الآن.

في الحادية عشرة ليلًا، لم يبقَ في غرفة المناوبة الحيّ إلا مصباح واحد. هبّت الريح من جديد، تحمل أوراق الدُّلْب وتقرع النافذة، طقّةً بعد طقّة. فتحت غطاء القلم، وبسوت دفتر اليوميات الأزرق تحت الضوء. حواف ورقه متكتكة كأنها فرو، يشبه دفاتر الحساب التي أرهقتها السنون.

كلمة «دفتر» هذه لها أصلٌ وتاريخ. كانت جدّتك تساعد قديمًا في معمل التوفو بالبلدة، وكل مساء تُدير عقدًا من مكواة حساب قديمة ناقصة الزوايا، وتردد: «حساب التوفو لا يُؤجَّل إلى الغد». كنت في السابعة أو الثامنة، تجلس على جنب الموقد وتستمع، فتحسب ذلك كلامًا عابرًا. اليوم تجاوزت الخمسين، وأمضيت أكثر من عشرين عامًا سكرتَارًا لحيّ «ليجيانغ»، تشرف على أكثر من ألف وثلاثمئة أسرة، وحينها فقط استوعبت ثقل تلك العبارة: إذا كان الحساب واضحًا، استقرّت القلوب.

غير أنّ هذا الدفتر الذي تحتفظ به، كل ما دوّنته فيه… مبالغ لا يمكن استردادها.

اشتدّ صوت الريح. وقّف قلمك معلّقًا فوق الورق، فانجرفت بك الأفكار إلى ظهيرة هذا اليوم:

في الساعة الثالثة ظهرًا، انقضّت الريح من سطح النهر على اليابسة. انفجرت في مجموعة الشارع رسالة: في العمارة السابعة من مجمّع «ليجيانغ يوان»، الطابق السادس، اقتلعت الريح صفائح الحديد التي تغطي الشرفة فحلّقت إلى السطح، معلّقة نصفها على حافة السقف… تتأرجح! وفي الأسفل مدرسة ابتدائية، وطريق رئيسي، وموجة الأطفال المنصرمين من مدرستهم في الرابعة والنصف. أمسكت معطفك وركضت، تجري وتتصل هاتفيًا. دارت عجلة الطوارئ، وشُدّت خطوط الحظر، ووصلت سيارات الإطفاء. شدّ «الرقيب لي» حبل الأمان وتسلّق إلى الأعلى؛ سطح العمارة بعد المطر زلق كالمرآة، فتسوّل باليدين والقدمين، ملتصقًا بالحائط، نقطةٌ برتقالية تصعد ببطء في الجدار الرمادي. وفي الأسفل، مئات الأشخاص يرفعون رؤوسهم، بلا ضجيج. شرارات آلة القطع تتوهج وتخبو في الريح، كبخورٍ محبوس أنفاسه. ولم تمرّ ساعتان حتى هبطت الصفائح الحديدية ورُكّبت بإحكام. وما كان معلّقًا في الخطر لم يكن ذلك الحديد وحده. وحين تفرّق الجميع، صاح طفل صغير يحمل حقيبته ورفع وجهه: «إلى اللقاء يا عمّي!» — فرفعت تلك النقطة البرتقالية على السطح يدها مستودعًا.

هذه القيد سهلة الكتابة: في يومٍ من الأيام، اقتلعت الريح الحديد، ودُرئ الخطر، ولا إصابات. لكنك لا تستطيع أن تنقّل القلم. تلك المئات من الوجوه المرفوعة، لا يتسع لها الدفتر.

هبط قلمك أخيرًا، فانبسطت نقطة حبر. وفي عبق الحبر، طفت ورقة مطالبة بالإيجار مكرمشة.

قبل ثلاثة أشهر، في أوج الحر. جاءت «سونغ يوي» تقود ابنتها «توان توان» ذات الست سنوات، واقفة أمام مكتبك والدموع في عينيها. إعانة دنيا، وبيت مستأجر، ومكالمات المالك تطالبها بالإيجار واحدةً تلو الأخرى، حتى بدأت الطفلة تتوارى خلف ظهرها. رنّ الهاتف مجددًا، فمدّت يدك وأخذته، وقلت نيابة عنها: «مهلة يوم، يومًا واحدًا فقط». وبعد أن أغلقتم، ضغطت يدك على ظهر يد سونغ يوي المرتجفة وقلت جملتك التي لا تفارق شفاهك: «نبدأ بالألفة قبل المنطق». وفي عصر ذلك اليوم، خرجتَ ومعك العمّا «ما» رئيسة العمارة، تواجهان الحر الخانق لتشاهدا شققًا. واحدة، نوافذها شمالية، رطبة؛ واثنتان، تتجاوزان الميزانية؛ ثلاث وأربع وخمس… بعد خمس، أظلم الجو. والسادسة: غرفتا نوم صغيرتان لا تتجاوزان أربعين مترًا، نوافذها جنوبية، وفي الأسفل مخبز للفطور. تبادلتَ مع العمّا ما نظرة: تمّ. ودُفعتَ فورًا التأمين وإيجار الشهر الأول. وقفت سونغ يوي في منتصف غرفة المعيشة الفارغة، ثم انحنت فجأة، وأخرجت من حذاء «توان توان» القطني القديم حلوى فاكهة، غلّفتها ثم أعادت تغليفها كما كانت، وألصقتها في كفّك وقالت: «الحلوى متسخة، لا تأكلها. احتفظ بها ذكرى». وفي اليوم التالي انتقلت الأم وابنتها بحقائبهما. من دخولهما باب الحيّ إلى نومهما في بيتهما… لم تمرّ أربعة وعشرون ساعة.

هذه القيد كتبتها: «مبالغ مدفوعة، تُردّ». تأتي سونغ يوي كل شهر لتسدّد: عشر يوانات، عشرون، تُقيّد كل قيدٍ بعناية. أنت لا تريد إعفاءها من دينها؛ تريد أن تحفظ لها كرامتها.

جفّ الحبر. قلبت الصفحة، ومسحت أصابعك سطح الورق، فلمستك دفء منشفة قديمة — ليس المنشفة على الورق طبعًا، بل في ذاكرتك.

الجدة «تشو»، إحدى وثمانون عامًا، تسكن وحدها. كلفت بيتها بالأغراض لم يعد يمرّ فيه إلا جانبُ إنسان واحد، والصحف القديمة مرصوفة حتى حافة النافذة. في أول زيارة لإقناعها، قبل أن تُكمل كلامك، طرقت عصاها الأرض ثلاث طرقات: «أغراضي، ما ضرّت أحدًا؟» وأُغلق الباب، فبقيت واقفًا في الممر، تشمّ رائحة النفthal التي تسلّلت من شق الباب ممزوجة بغبار الورق القديم. قال الموظف «شياو جينغ»: «الإلحاح لا ينفع». قلت: «إذن لا نُلحّ». ومنذ ذلك الحين، كل بضعة أيام، كنتم تتبادلون الزيارات، بلا كلمة عن الأغراض، مجرد كلام عائلّي. تستمع إليها تحكي حرفة زوجها الراحل في تصليح الساعات، وابنها في الشمال يعود مرة في السنة، وخُرّوبها للفجل في شبابها الذي ذاع صيته في القرية كلها. وحين اشتدّ البرد، كانت «شياو آي» تدخل أولًا بمنشفة ساخنة لتدفئة يديها. وفي الزيارة التاسعة، أمسكتها الجدة بيدها فجأة: «أنتم تريدون خيري من صميم قلوبكم. نظّفوا». وخرجت الأغراض القديمة في سبع عربات. ولأول مرة تسلّلت إلى البيت رقعة كاملة من ضوء الشمس، فمسحت الجدة حافة النافذة حتى لمعت، ورتّبت عليها صفًّا من جرار المخللات: «حين تنضج، أوزّعها على أهل العمارة».

هذه القيد أصعب التدوين. كم تكلف المنشفة الساخنة؟ وبكم يُوزن المودّة؟ تسبّت بالقلم طويلًا، ثم لم ترسم إلا شمسًا صغيرة.

خفت صوت الريح. قلبت إلى الصفحة الأخيرة من الدفتر. هي هذه — القيد الذي حافظت عليه عشر سنوات ولم تجرؤ على تدوينه.

ليست قيدًا واحدًا، بل مجموع قيودٍ كثيرة: تلويحة «الرقيب لي» من سطح العمارة، حلوى الفاكهة التي لم ترضَ «سونغ يوي» أن تأكلها، ضوء الشمس على حافة نافذة الجدة، السكران الذي رفدتَه عائدًا إلى بيته في جوف الليل، الأطفال الذين استقبلتهم في قاعة الأنشطة في العطلة الصيفية، كرسيٌّ، شواء زنجبيل. عشر سنوات وأنت تحاول استرداد هذه الديون، فلا تستطيع استرداد واحدة منها. لقد غيّرت هيئة، وتنتقل بهدوء من عمارةٍ إلى عمارة؛ من ساعدهم يحوّلونه لساعدة غيرهم، ومن دفّأوه يواصلون دفء غيرهم. فوائدٌ تتراكم، حتى صارت دفءً يملأ الحيّ بأكمله.

وأخيرًا نزّلت القلم، حرفًا حرفًا، بخطٍّ منضبط:

«هذا الحساب لا يُطالب بسداده، ولا يُشطب. أصله في القلوب، وفوائده تسير مع الناس».

وضعت القلم، وأطفأت المصباح. في الخارج سكتّت الريح، وغدًا، سيكون يومًا مشمسًا على الأرجح.

(هذه القصة مستوحاة من أحداث حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.)

مستوحى من قصة حقيقية

← السابق لا يمكن أن نتجاهل التالي → اكتب خانةً تلو الأخرى