زرعُ الرسالةَ في الرمال
المقدمة
هذه الرسالة تاهت على الكثبان الرملية أربعة أشهر وأكثر، قبل أن تصل إلى بئر قوزي.
في أبريل من عام 2001، كانت دراجة «لاي تسي» البريدية تشهَص على طريق الرمال أشدّ شهقةً من شهيق البشر. ظهر المظروف المصنوع من ورق الكرافت مهترئ الحواف؛ فقد جاب بالطائرة، ثم بالقطار، ثم بالسيارة، وأخيرًا قطع مسافة اثني عشر ليًا من الرمال، مشيًا على قدميه لاي تسي، غارسًا خطاه في الحفر الرملية. وفي الزاوية العلوية اليمنى من المظروف صفٌّ من الطوابع الملوّنة تحمل نقشَ نسر، وفي موضع التوقيع سطرٌ بخطٍّ أجنبي متعرّج، وصفه أهل القرية لاحقًا بأنه «كالنمل في طابور يعبر النهر». أما السطر الصيني في الوسط فكان معتدلًا، حرفًا حرفًا، كخطّ طالبٍ في أول صفٍّ له:
الصين، منغوليا الداخلية، محافظة أوشِن، بئر قوزي، بمعرفة الأستاذ سو، إلى السيدة باي شوِي هوا.
وحين أوصل لاي تسي الرسالة، كانت أنصاف القرية قد ازدحمت خارج الباب الخشبي لبيت باي شوِي هوا. أرض «بئر قوزي» أرض غريبة؛ اسمها يذكر بئرًا، وليس في الأرض ماءً. والآن حتى المرأة التي يحمل اسمها ماءً، استلمت رسالةً من بلد أجنبي!
«شوِي هوا، ألديك أقارب في الخارج؟»
«لا.»
«فمن كتبها إذن؟»
كانت باي شوِي هوا في الخامسة والثلاثين، وقد غادرت مسقط رأسها مرتين فقط في حياتها: مرة عندما تزوجت وهي في التاسعة عشرة، ومرة قبل سنتين حين ذهبت إلى المحافظة للعلاج. أخذت الرسالة وقلبتها وقلبتها، تنظر إلى السطر الصيني، ثم إلى صف النمل ذاك. وفجأةً خطر لها بَل، وخطر لها ريح. فقالت:
«آه… رجل الأشجار.»
ظلّت الرسالة ثلاثة أيام على حافة النافذة، لم يجرؤ أحد على فتحها، حتى أتай في نهاية الأسبوع الأستاذ سو من مدرسة القرية المجاورة على دراجته، ففتحها. جاءت الرسالة من بلدة في أمريكا تُدعى «مبل كريك» — جدول القيقب — ومن كاتبها روبرت غرين.
ولكي نفهم هذه الرسالة فهمًا واضحًا، علينا أن نعود إلى ربيع السنة السابقة.
الأول
في أواخر أبريل عام 2000، لم تكن رياح صحراء موسو قد لينت بعد.
روبرت غرين، اثنان وخمسون عامًا، مدرّس في مدرسة إعدادية في بلدة مبل كريك بولاية فيرمونت. وفي السنة السابقة، تدريس بالتبادل بين معلّمي البلدين، قضى عامًا يعلم الإنجليزية في هوهوت. وقبل عطلة الأول من مايو، خرج ومعه خريطة يريد زيارة نهر ساران أوسو؛ فقد قرأ في الكتب أن أناس الحوض النهري أوقدوا نيرانهم على ضفاف ذلك النهر قبل سبعين ألف سنة. أمضى نصف عمره في التدريس، وكان دائمًا يتساءل: كيف تبدو شيخوخة النهر؟
أنزلته الحافلة عند حافة الرمال، وما داخلًا عن ذلك لم تعد المركبات تسلك. مشى حاملًا حقيبته حتى العصر، فإذا بالسماء أصفرّت فجأة. قامت الريح من كل أرجاء الأرض، والرمل لا يهبّ بل يُكبّ كالماء. انحنى غرين، يسير تتبعًا لأعمدة الكهرباء المدفونة نصفها في الرمل، حتى عند المغيب رأى على تلٍّ رملي امرأةً واقفة.
امرأة، يلتفّ حول رأسها كفٌّ أخضر، وفي حضنها حزمة من الشتلات الرقيقة، واقفة في الريح كأنها على وشك أن تقتلعها، ثم لا تُقتلع. وخلفها، على السفح الرملي، صفوفٌ من شتلاتٍ صغيرة بزاويَ كُلّ تويجة، تبدو من بعيد كأن أحدًا كتب على وجه الأرض كتابةً بخطٍّ خفيف.
وحين تسلّق غرين التلّ، كانت الريح قد مزّقت كلماته كلها. فأشار بيديه، ثم أشار إلى الحزمة. نظرت إليه المرأة، انتقت من الحزمة غرسَين ودسّتهما في كفّه، ثم أشارت إلى الرمل تحت قدميه: احفر، ازرع، اثبِت. إذ معنى غرس الشجر واحدٌ في كل أرض العالم.
قلّده وهي غارسة. الغرسة الأولى مائلة، والثانية مائلة. لكن المرأة لم تقل شيئًا؛ سارت خلفه، تعدّل كل غرسةٍ غرسًا، تجمع الرمل حول جذورها بكفّها ثم تضغط. كان الرمل باردًا، وكان ظهر يدها مشقّق الشقوق كقاع نهرٍ جاف.
ظلمت الليل والريح لم تهدأ. فرغت المرأة من عملها، وأشارت إلى عمق الحفر الرملية، ثم إليه: هَيّا بنا.
كانت بيتها محفورًا في حفرة رملية، نصفُ كهفٍ ترابي، وبابه من لوحين خشبيين عتيقين. ولم يكن غرين يعلم أن هذه المرأة، قبل تسعة عشر عامًا، جُلبت إلى بحر الرمال هذا على عربة بغل؛ لم يكن في جهازها شيء سوى الريح. في ليلة زفافها هبّت الريح ليلتها كلها، وفي الصباح فتحت الباب الترابي، فإذا من كل جهة، باعتدالٍ تام، رملٌ لا غير. وأقرب الجيران على مسافة أربعين ليًا. بكت ربيعًا كاملًا، حتى إنها في سنةٍ من السنين رأت على التلّ شجيرة صحراوية من السهوان قد أزهرت؛ لم يسقِها أحد، فعاشت وحدها. جثمت أمامها طويلًا، ثم قامت، ودخلت البيت وأحضرت المجرفة.
من تلك السنة بدأت تغرس الأشجار. في السنة الأولى غرست أربعمئة غرسة، وما بقي منها حيًّا لا يُحصى بأصابع اليد الواحدة. وأعطت كل شجرةٍ نجت اسمًا. سخر منها «يو ليانغ» فلم تبالِ؛ قالت: الشجر مثل الناس؛ إن ناديتَه عَهِم بالغرض.
وفي تلك الليلة، تحت شمعةٍ نصفها محروق، أتمّ شخصان لا يفهمان لسان بعضهما أهمَّ درسٍ في حياتيهما. قبضت المرأة قبضة رملٍ وبسطتها، ومالت كفّها فانصبّ الرمل بين أصابعها؛ ثم قلّدت حركة الأكل، وأشارت إلى خارج الباب، ثم إلى الشرق: الرمل يأكل الأرض، يأكلها شرقًا على امتداد طريقه. ثم أشارت إلى أصيصٍ صغيرٍ على حافة النافذة فيه سهوان صحراوية، ثم إلى التلّ الرملي المسودّ، وأومأت برأسها بقوة.
فهم غرين. أشار إلى نفسه، ثم إلى الشتلات، متسائلًا بالإشارة: أتُشبعنا الأشجار طعامًا؟ ضحكت المرأة، وهزّت رأسها، ثم أومأت، وأخيرًا أشارت إلى صدرها.
كانت تلك الإشارة التي حفظها غرين ما حيي.
وفي الغد كان عليه الرحيل. تجهيزت له المرأة دقيقًا محمّصًا وإبريق ماء، وودّعته حتى أعلى التلّ. التفت غرين، فإذا بها قد انحنت من جديد على السفح الرملي، والكفّ الأخضر يترنّح في الريح، كشجرةٍ تمشي.
وقبل الوداع، أدّى حركةً: قبض كفّيه معًا على هيئة زبدية، ثم أشار إلى الشتلات الصغيرة. حين يبلغ قُطرها قُطر هذه الزبدية، سأعود لأراها.
نظرت المرأة إلى يديه، ثم إلى شتلاتها، وأومأت. ثم فكّرت وهزّت رأسها، وأشارت: الشجر بطيء النمو، فماذا لو كِبرتَ؟
ضحك غرين، وقلّد مشيته: على مهل، خطوةً خطوة.
ضحكا معًا. وكانت الريح تضحك، والتلّ الرملي يضحك.
الثاني
في سبتمبر من تلك السنة عاد غرين إلى أمريكا. بلدة مبل كريك فيها شارع واحد، ومدرسة إعدادية واحدة، وبستان قيقب أقدم من البلدة نفسها. في طفولته، كان أبوه كل ربيع يخترق ثقوبًا في جذوع الأشجار ليستخرج السكر، وصوت تقطير شراب القيقب في الدلاء الحديدية ما يزال رنينُه في أذنه إلى اليوم.
وعند عودته إلى البيت، كان أول ما فعله أن كتب إلى ستين شخصًا.
في رسائله: «قابلتُ في صحراء منغوليا الداخلية بالصين امرأة. تزوجت وهي في التاسعة عشرة فحُملت إلى حفرة رمل، وليس في محيط أربعين ليًا جارٌ واحد، والريح في ليلةٍ واحدة تقتلع نصف سقف. غرست الأشجار خمس عشرة سنة، وتقول: أُرضى أن أنهكني الغرس حتى أموت، لا أن يظلمني الرمل حتى أموت. شتلتها بأسعار زهيدة، وهذا الزهيد تشقّه من بيع البيض. علّمتُ ثمانية وعشرين عامًا، ليس عندي مال، لكنني أريد أن أجرّب.»
جاءت الردود في سبع وثلاثين رسالة. بعضهم أرسل شيكات، وبعضهم اعتذَر قائلًا: الشهر القادم حتمًا. وحمل أطفال الصف حصّالات نقودهم إلى منصة الصف، فسكبوا النقود المعدنية صفيحًا، كأنها مطرٌ خفيف. وعلّق الحلّاق العجوز هانك عند بابه لوحة: «حلاقة هذا الشهر بضعف الثمن، والزيادة إلى الصندوق». وفتاةٌ صغيرة اسمها إيمي، رتّبت الدولارات الأربعة ربعية التي تركت لها «جنية الأسنان» واحدًا واحدًا في مظروفٍ وأرسلته. وأقيمت في قبو الكنيسة حفلة بيع خيري، سلعتُها الرئيسية شرابُ القيقب الذي تُطبخه كل أسرة. وخرّج غرين من جيبه المال المخصص لمعطفٍ جديد؛ فلبس معطفه الصوفي القديم شتاءً آخر.
وفي ديسمبر اكتمل المبلغ: خمسة آلاف دولار، وأسماء مئة وسبعة وثلاثين شخصًا، مدوّنةً حرفًا حرفًا في دفتر تلميذ. حُوّل المبلغ عبر قنوات جمعية التبادل. ثم كتب الرسالة — تلك الرسالة التي مشت أربعة أشهر.
«شوِي هوا:
المال في الطريق. خمسة آلاف دولار، ليست ثروة. علّمتُ ثلاثين عامًا، وكل ما أملك هذا قدرُه، وهو صدقُ مئة وسبعة وثلاثين شخصًا. نسختُ القائمة؛ إن أردتِ أن تعرفي من دفع كل قرش، فاطلبي من الأستاذ سو أن يقرأها عليك.
لا أفهم ما سيصير إليه المال؛ أنا لا أفهم الأشجار، وأنتِ تفهمين. حيثما رأيتِه صالحًا للغرس، فازرعي.
وأُلحق بكلمةٍ لا بد أن أكتبها هنا: حين تبلغ أشجارُك قُطرَ الزبدية، سأعود لأراها. أنا رجل كلمتي كلمة. وأهل بلدتنا كلمتهم كلمة، والمعلّمون منهم أوّل الكلام.
صديقتك، غرين.»
وحين ترجم الأستاذ سو الرسالة إلى الصينية، تعثّر في جملة واحدة: «أُرضى أن أنهكني الغرس حتى أموت، لا أن يظلمني الرمل حتى أموت» — فالترجمة الحرفية قاسية قاطعة، لا تشبه كلام البشر. فكّر ثلاثة أيام، ثم كتب أخيرًا بهامش الترجمة بقلم الرصاص: «هذه المرأة، تُنهك نفسها وتزرع؛ الرمل يظلمها وهي لا تعترف بظلمه». وحين ردّ غرين، أخبره أنه علّق هذا السطر على حائط صفه، فما زال معلّقًا، لم يُنزَع.
وحين وصل المال، كان ذلك ربيع السنة التالية. وبمرافقة رجال المحافظة، جُلبت من المشتل ثلاث عربات كبيرة من الشتلات: السهوان الصحراوية، والحرمل الرملي، والصفصاف الجاف، والحور صغير الأوراق. وو pausled شوِي هوا يو ليانغ وابنها شوَن تشو في الغرس شهرًا كاملًا.
وفي يوم غرسهم التلّ الشرقي، وقفت فجأة منحنية الظهر واستقامت، وقالت لشوَن تشو أن يذهب ليستدعي الأستاذ سو. قالت: «اكتب إلى ذلك الرجل سطرًا واحدًا: المال حين وصل إلى أرضنا لم يعد مالًا، صار شتلات. والغرسة الواحدة تزحف حتى تغطي سفحًا كاملًا. انتظرْ فقط.»
الثالث
كُتبت رسالة شوِي هوا الأولى بالإملاء، وبخط يد الأستاذ سو.
كانت قصيرة، مضمونها: وصل. اشتريت الشتلات. غرستُها في التل الشرقي، فعاشت؛ الأحياء أكثر من الأموات. الأهل بخير، وأنت فلتكن بخير.
ولم يكن في آخرها توقيع، بل رسمة: شجرة، ساقها مستقيم، وتاجها ثلاث دوائر. سألها الأستاذ سو: ما معنى هذه الدوائر الثلاث؟ قالت: دائرة ربيع، ودائرة صيف، ودائرة خريف؛ لأخبر ذلك الرجل أن هذه الشجرة تنمو في الفصول الأربعة كلها.
وفي الزاوية السفلى اليمنى من الرسمة، ثلاثة حروف صينية، متعرّجة الخط، بعضها غائر وبعضها بارز:
باي شوِي هوا.
كانت هي التي كتبتها. ولم يكن غرين يعلم أنه لكتابة اسمها على نحوٍ لائق، تدرّبت عليه نصف شتاء على رماد الموقد، حتى اسودّت أصابعها كأنها مغموسة بحبر. سخر منها يو ليانغ: «ولمن تكتبين؟ إنه لا يعرف الحروف الصينية.» فمسحت أصابعها على مريلتها وقالت:
«إنه يكتب لي عبر محيطٍ كامل. ألا يليق بي أن أجعله يشعر أننا ناسٌ ما تعوّدوا قبول ظلم الرمل.»
ومن يومها رسالتان في السنة: ربيعية تُخبر بعدد ما غُرِس، وخريفية تُخبر بعدد ما عاش.
وازداد كلام الرسائل عامًا بعد عام. قالت: احمرّ ثمر الزعبَج، وهو حامضٌ جدًا؛ جفّفتُه وسأرسله إليك لتتذوق خريفَنا. قالت: جاء الأرانب البرية إلى التلّ الأمامي، والثعالب إلى التلّ الخلفي، وأسرابُ الدجاج الصحراوي تأتي جماعةً جماعة؛ كانت هذه الأرض يومًا لا تعبرها حتى العصافير. قالت: شوَن تشو اجتاز الامتحان وخرج ليدرس مكافحة التصحّر، وهذا الولد يقول: سأعود لأكمل الغرس.
وفي رسائل غرين، أحمرّت أشجار القيقب في مبل كريك مرةً بعد مرة. وأرسل ذات يوم كيسًا صغيرًا من بذور القيقب، وفي ربيع السنة التالية لم تُنبت بذرة واحدة. احتبست شوِي هوا الحزن صيفًا كاملًا، ولم تجرؤ على الكتابة إلا في الخريف: «لم يعش القيقب، وأنا ذنبي إليه.» فردّ غرين:
«لا تلمّي نفسك. في طفولتي، لم يعش الصف الأول من أشجار القيقب الذي غرسه أبي، فأَوْلى بالغرس في السنة التالية. الدرس الأول الذي يعلّمه الشجر للإنسان هو: السنة القادمة.»
وأرسلت له أيضًا زوجًا من نعالٍ مطرّزة، وفي غرزها شجرة. تريّث غرين عن وضعها، فوضعها تحت زجاج سطح مكتبه. وحين تقاعد الأستاذ سو، انتقل عمل الترجمة إلى ابنته سو شياو مان — التي تدرّس الإنجليزية في مدرسة بالمحافظة، وعند عودتها إلى القرية في العطلات تترجم الرسائل، وتعلّم حفيدةَ شوِي هوا، مياو مياو، الكلمات.
«غرين — غرين — أخضر»، تردّد مياو مياو.
وكانت شوِي هوا تصغي إلى جوارها، فربّتت على فخذها فجأة: «ها هو ذا! لقد كان في اسمه غابةٌ مزروعة من الأصل!»
الرابع
لم تكن الرسائل سلسةً كل سنةٍ والسنة.
في جفاف عام 2011 الكبير، بلغ البئر قاعَه، ومِمّا أُغرس حديثًا من ثلاثة آلاف غرسة مات أكثرها تحت شمس الصيف. وكانت رسالة تلك السنة أقصر رسائل عشرين سنة، ثلاثة أسطر لا غير:
«لم تُبكِ السماء اليوم قطرةً واحدة. مات ثلاثة آلاف. لا أخاف التعب، أخاف السماء. أول مرة أخاف.»
وجاء ردّ غرين بعد أسبوعين، كأنه يعلم أنها تنتظره. وفي الرسالة حكاية شجرة: «خلف بيتنا القديم شجرة قيقب، في عامي العاشر أصابها البرق فشقّ نصفها، وقال الناس جميعًا إنها ماتت. أبي لم يقتلعها. وفي ربيع السنة التالية تفتّحت براعم على نصف لحائها الباقي. وما تزال واقفة إلى اليوم؛ وفي شقّتها خرّم أطفالُ أسرتنا كلهم أعشاشَ العصافير في صغرهم.»
وفي آخر الرسالة: «الشجر أبلغ صبرًا من الناس. إذا استعجلتَ، فتعلّمْ من الشجر. على مهل، على مهل، على مهل.»
وفي الخريف، دخل فريق حفر الآبار إلى الحفرة الرملية، ووُصِّلت المواسير حتى قمة التلّ. وكتبت شوِي هوا في رسالتها التالية: «جاء البئر، وصعد الماء التلّ، ولم أخف بعد. كنتِ حقًّا: الدرس الأول للشجر هو السنة القادمة.»
وفي شتاء عام 2015، تأخرت رسالة غرين شهرين. وفيها أخبرها أن زوجته مارثا قد توفّيت. كتب بسلاسة: «الصف أصبح نصفه فارغًا؛ في هذا الفصل أعلّم نصف الكتاب فقط.»
وحين وصلت شياو مان إلى هنا، ظلت شوِي هوا صامتة طويلًا. وغلى الماء على الموقد ولم تسعَ إليه. ثم قالت في النهاية: «أضيفي سطرًا.»
رفعت شياو مان القلم تنتظر.
«اكتبي فقط: هكذا الشجر إذا شاخ؛ نصفُ أوراقه أصفرّ، والنصف الآخر ما يزال أخضر. وإذا هبّت الريح، كان النصف الأخضر يحتمي به النصفُ الأصفر.»
ثم أخبر غرين شياو مان لاحقًا أنه قرأ هذه الرسالة شهرًا كاملًا قبل أن يجرؤ على الرد. وجاء ردّه سطرًا واحدًا: «شكرًا. في السنة القادمة، سآتي.»
وأنجبت السنة القادمةُ سنةً قادمة أخرى. مرضت زوجته سبع أو ثماني سنوات فأفقرتهما مدخراتهما، ثم جاء دور قلبه هو. لم يكتب شيئًا من ذلك؛ لم يكتب في رسائله إلا «السنة القادمة» مرارًا. وردّت شوِي هوا: «لا تستعجل. الشجر يصبر عليك؛ أكثر ما يجيده الشجر في حياته هو الانتظار.»
ثم جاءت رسالةٌ مشت في الطريق ثمانية أشهر، وحين وصلت كان المظروف قد تجعّدته المطر، كأنه بكى. في تلك السنوات كانت طرقُ البريْن على جانبي المحيط بطيئتين، فكان الاثنان يدّخران ما يريدان قوله، يودّعانه في الرسالة التالية.
ست وعشرون سنة، وثلاث وخمسون رسالة. وفي آخر كل واحدة، كانت هي تكتب لا محالة: «الشجر يصبر»، وكان يكتب لا محالة: «كلمتي كلمة». وحتى لاي تسي تحوّل من راكب الدراجة النارية إلى ابنه صاحب الشاحنة الصغيرة، والذي يقول جهازُ الملاحة في صراحته: «غابة غرين — وصلتَ إلى وجهتك.»
الخامس
في ديسمبر 2025، وصلت رسالة غرين. قرأتها شياو مان في الهاتف على شوِي هوا، بتأنٍّ:
«عمري ثمانية وسبعون عامًا. فحصني الطبيب من رأسي إلى قدمي فقال: ليس فيك عيبٌ سوى الكِبَر، يمكنك ركوب الطائرة ساعاتٍ طويلة. قضيتُ عمري مدرّسًا، وما زلت أقول لتلاميذي: ما وعدتَ به، عليك الذهاب إليه مهما بَعُد. والآن، جاء دوري أن أسلّم هذا الواجب.
في أغسطس السنة القادمة، سآتي.
وإن بلغ الشجرُ قُطرَ الزبدية حقًّا، فاتركوا لي مجرفة.»
وحين انتهى القراءة، طلبت شوِي هوا من شياو مان أن تدوّن ردّها كلمةً كلمة:
«تعالَ. الشجر انتظرك ستًّا وعشرين سنةً ولم يستعجلك، فممّ تخاف؟ المجرفة محفوظة لك، جديدة.»
وفي ذلك الشتاء، فعلت ثلاثة أشياء.
الأولى: جعلت مياو مياو معلّمةً لها تُعلّمها الكتابة. وتمسّكت مياو مياو بيدها، وكتبت معها في دفتر المربعات حرفًا حرفًا. كانت تكتب ببطء، ترسم الحرف عشر مرات، ويدُها ثقيلة حتى ثقبت الورق بضعة ثقوب.
الثانية: أنبتت في أصيص على حافة النافذة شتلة صنوبر. قالت: خشية أن يصل ولا يكون موعدُ الغرس مناسبًا، فأُجهّز له غرسةً من قبل؛ كمن يُكدي للضيف قولةَ ماء قبل رحلته.
الثالثة: رتّبت الرسائل الثلاث والخمسين بحسب السنين وعقدتها بحبلٍ أحمر. ثم فكّرت، فحلّتها، وانتزعت أقدمها، ووضعتها تحت وسادتها.
السادس
في أغسطس 2026، امتد الطريق الإسفلتي حتى داخل الحفرة الرملية، والخضرة على جانبيه موجًا يلحق موجة، كأن أحدًا نقل البحر إلى الأرض. قادت شياوマン السيارة بهدوء، وكان الرجل العجوز في المقعد الخلفي مُلصقًا بكفّه زجاجَ النافذة طويلًا.
وما يزال نهر ساران أوسو يجري. وعلى التل الرملي عند النهر، كفٌّ أخضر يواجه الريح.
كانت باي شوِي هوا واقفة على التلّ، في السادسة من العمر، وظهرها ما يزال مستقيمًا. لم يثبُت غرين من نزوله من السيارة حتى جاءته هي، وأخذت يده اليمنى وبسطتها، تنظر إلى راحة كفّه.
«ذables من يدك ذابت وذهبت»، قالت.
ترجمتها شياو مان. تحيّر العجوز لحظة، ثم تذكّر: فقاعات الدم في يده في تلك السنة. قال: «أتذكّر؛ آلمتني نصف شهر.»
«كان يستحق»، قالت شوِي هوا وهي تُعيدها يده إليه، «نصف شهر من الألم مقابل خمسين ألف شجرة. لقد ربحتَ.»
وعلى التل الشرقي، لم تعد الدفعة الأولى من الأشجار تُعرف. زحفت جذور السهوان، وتطايرت بذور الحرمل، وفاض الأخضر سفحًا بعد سفح، عابِرًا التلال والمنخفضات، حتى التحم بما أُنبت بالطائرة وما سُوّر أسواره، في نسيجٍ واحد. خمسة آلاف دولار، وست وعشرون سنة، صارت أكثر من خمسين ألف شجرة. لكنها لم تنسب الفضل لنفسها: «يداي ايدان لا غير. وللغابة طبعُها؛ إن أعطيتَها الابتداء، جرت وحدها.» وعلى قمة التلّ مسلّة حجرية منقوش عليها ثلاثة حروف: «غابة غرين».
ومن أول مرة فهمت فيها هذا الاسم، ربّتت على فخذها: «ها هو ذا! لقد كانت في اسمه غابةٌ منذ الأصل، وما فعلناه نحن إلا أن سقيناها حتى عاشت.»
وكان موضع الغرس قد اخترته من قبل، بجوار المسلّمة الحجرية. لم تدع غرين يمسك المجرفة: «دورك أن تُقيم الشتلة معتدلة.» فهو يثبّت الشتلة وهي تُراكب الرمل، قدمًا بعد قدم، رصيّةً رصيّة. قبل ست وعشرين سنة، كان هو الأخرق وهي تُقيم غرسَه غرسةً؛ والآن انعكس الأمر. وحين ائتلف الرمل، انسحبت اليدان في آن، وضحكا في آن.
كانت الشتلة تلكَ الصنوبرة التي جاءت من الأصيص. وبعد الغرس، أخرج غرين من جيبه رزمة ورقية صغيرة، ففتحها: قبضة من بذور القيقب المجنّحة.
«هذه المرة»، قال، «نزرعها أولًا في الأصيص.»
أخذتها شوِي هوا ورجّحتها بيدها: «حسنًا. تسكن أولًا في الأصيص، ثم تنزل الأرض. انتظرتَني ستًّا وعشرين سنةً وانتظرتَ؛ أما أصيصٌ واحد فأيّد؟»
جاءت الريح من جهة الغابة، فرنّت خمسون ألف شجرة في وقتٍ واحد، كبحرٍ بعيد، وكأن جمعًا من الناس يصفّقون بهدوء.
«لغتك الصينية لا تحفظ منها كلمة واحدة»، قالت شوِي هوا، «وأنا ما زلت أتذكّرها.»
نظر العجوز إلى الصنوبرة الصغيرة، وأخرج ببطء النطقَ الحرفَ الذي لم يتغير طبقه منذ ست وعشرين سنة:
«شجر.»
ثم أخرجت شوِي هوا من حضنها مظروفًا. بلا طوابع، بلا عنوان، وسلّمته إليه أمامًا: «هذه، لن تحتاج أربعة أشهر.»
وفي المظروف ورقة، حروفها كبيرة معوجّة، حرفًا حرفًا، كشتلاتٍ غُرست للتو:
«السيد غرين:
أشجارُك عاشت.
انحسر الرمل، ونَمَت الأشجار، وأنا بخير.
كتبتُ الحروف بيدي، دربتُها ثلاثة أشهر، فاقرأها على مهل.
— باي شوِي هوا»
لم يطلب غرين أولًا من شياو مان أن تقرأها. رفع الورقة نحو الشمس يحدّق فيها؛ لم يكن يعرف هذه الحروف، لكنه عرف هذا الجهد. قرأتها شياو مان بصوتٍ خفيض، وحين بلغت «أشجارك عاشت»، خلع العجوز قبعته.
ثم أخرج من جيبه الداخلي شيئين: ورقة القائمة، فيها مئة وسبعة وثلاثون اسمًا دبّجها في شتاء عام 2000، وأُضيف إلى آخرها سطر صغير قرأته شياو مان على شوِي هوا: «اليوم، تحت كل اسمٍ تنبت خصبة خضراء.» وصورة: أطفال مدرسة مبل كريك رافعين لافتةً طويلة، تُرجمها شياو مان: «شكرًا للجدة شوِي هوا على الزعبَج، من أطفال مبل كريك.»
وأخيرًا، أعادت له شوِي هوا الرسالة التي ظلّت تحت وسادتها خمسًا وعشرين سنة. وكان شريط غلقها قد اصفرّ وتشقّق.
«كلماتُك احتفظ بها أنت»، قالت، «كي لا تتنكّر.»
ضحك العجوز ضحكةً عالية، وفي وسط الضحك مسح عينيه بظهر يده.
الخاتمة
في مساء ذلك اليوم، جلس الاثنان جنبًا إلى جنب على التلّ ينظران إلى الشمس يغرب في الغابة. كانت مياو مياو تحمل دلوتها الصغيرة تسقي الصنوبرة المزروعة حديثًا، ثم قلّدت جدتها: جمعت الرمل حول الجذور بكفّها، وضغطت.
وبعد، صار شاحنةُ شياو لاي الصغيرة تعبر كثيرًا أمام «غابة غرين». وكان يقول للناس إنه رأى في ذلك اليوم، على التلّ: عجوزًا أجنبيًا وعجوزًا صينية، وبينهما شجرة صغيرة غُرست للتو، وقد اجتمع ظلّهما عليها في ظلٍّ واحد. وإذا هبّت الريح، خيل إليك أن أحدًا يدسّ رسالةً برفق في صندوق بريدٍ هو الأرض كلها.
وبعد ذلك، سأل بعضهم شوِي هوا: ما اسم الحروف الثلاث المنقوشة على الحجر؟ وماذا تكون تلك الخضبة التي على السفح في الحقيقة؟
لم تتأمل شوِي هوا: «رسالة.»
مئة وسبعة وثلاثون شخصًا، هذا بقرشٍ وهو بزجاجة شراب، جمعوا صدقًا واحدًا؛ وامرأة ردّت على الرسائل ستًّا وعشرين سنة، غرسةً غرسة، حتى كتبت ردَّها على التلال الرملية بأكملها. هذه الكلمة عبرت محيطًا، ثم عبرت ستًّا وعشرين سنة.
اليوم، وصلت.
— هذه القصة مستوحاة من وقائع حقيقية، والأسماء كلها مستعارة.
مستوحى من قصة حقيقية